ويدفعه أيضاً عند صاحب الكفاية (قدس سره) ان قضية بقاء التكليف فعلًا بالرجوع الى الأخبار الحاكية للسنة كما صرح بأنها المراد منها في ذيل كلامه زيد في علو مقامه انما هي الاقتصاد في الرجوع الى الأخبار على المقدار المتيقن لاعتبار فات فان وفي وإلا أضيف اليه الرجوع الى ما هو المتيقن اعتباره بالاضافة لو كان هناك متيقن وإلا فالاحتياط بنحو ما عرفت لا الرجوع الى ما ظن اعتباره وذلك للتمكن من الرجوع علماً تفصيلًا أو إجمالًا فلا وجه معه لما ذكره من الاكتفاء بالرجوع الى ما ظن اعتباره هذا مع ان مجال المنع عن ثبوت التكليف بالرجوع الى السنة بذاك المعنى أعني الأخبار الحاكية لها فيما لم يعلم بالصدور ولا بالاعتبار بالخصوص واسع. قلت: انما أعرض صاحب الكفاية عما ذكرناه من عدم اقتضاء دليل وجوب الرجوع اليهما إلا الرجوع الى المعلوم لان المحقق المذكور قد تفطن لذلك في تقرير الوجه المذكور وأجاب عنه بان الدليل قد دل على وجوب الرجوع اليهما لتحصيل الاحكام في كل زمان ففي الزمان الذي لا يمكن الرجوع الى المعلوم منهما مع شمول الدليل له لا بد من الرجوع الى المظنون منهما اذ لا يعقل ثبوت الحكم مع استحالة العلم بموضوعه إلا إذا كان على هذا النحو وفيه ما لا يخفى، فانه قد ادعى قيام الاجماع وضرورة الدين عل وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة لتحصيل الأحكام ومن المعلوم ان هذين الدليلين لم يقوما إلا على وجوب الرجوع الى الكتاب والسنة الواقعين كما هو الحال في سائر الادلة الدالة على ثبوت الاحكام للموضوعات وأما دعوى
قيامهما على الرجوع اليهما في حال عدم التمكن من العلم بموضوعهما ففيه انه وان كان ذلك حينئذ دالًا بدلالة الاقتضاء بناءاً على ان المراد من السنة معناها المصطلح على لزوم العمل بالظن وكونه طريقاً إلا انه لا دلالة له على حجية خصوص الظن الخبري بل كل حكم ظن انه صادر عن الإمام (ع) فالعمل به لازم وأما بناءاً على ان السنة هي الأخبار الحاكية ففيه أولًا انها دعوى لا أصل لها بل قيام الإجماع وحده محل تأمل.
وثانياً انه رجوع الى الاستدلال بالإجماع والضرورة على حجية الخبر الواحد وقد عرفت ما فيه فلا حاجة الى ما أتعب به نفسه في تقرير هذا الوجه وتأييده وأما ما أورده شيخنا العلامة عليه بناء على ان مراده من السنة معناها المصطلح بان ما ذكره من الدليل عبارة أخرى عن دليل الانسداد لانه إذا وجب علينا الرجوع الى مدلول الكتاب والسنة ولم نتمكن من الرجوع الى ما علم انه مدلولهما تعين الرجوع باعترافه الى ما ظن انه مدلولهما ومن المعلوم ان كل حكم ظن التكليف به فعلًا من أي سبب كان فقد ظن انه مدلولهما من غير خصوصية للظن الخبري فلا يخرج عن هذه الكلية من الاحكام إلا ما بقى مخزوناً أو صدر انشاء وبقى على هذه المرتبة وهو النزر القليل ففيه انه ان أراد اتحاده معه من حيث انتاجه حجية مطلق الظن فهو حسن إلا انه لا ينافي كونه خاصاً لقيام الدليل عليه بالخصوص اذ المراد بالخاص ما كان حجة بغير دليل الانسداد وان
كان مطلق الظن وبعبارة أخرى المراد بالخاص هو الدليل العلمي الذي بوجوده يبطل موضوع دليل الانسداد لغرض الانفتاح وان أراد اتحاده معه من حيث الدليلية فهو كما ترى ثم لا يذهب عليك ان مراده من مدلولهما المعلوم أو المظنون كون الحكم صادراً باحدهما غير خارج عنهما لا المدلول لالفاظهما فيكون المعلوم منه مدلول النص والمظنون منه مدلول الظاهر فان حجية النص والظاهر معاً في عرض واحد من غير تنزيل من المعلوم الى المظنون وكلاهما منتهيان الى القطع الحاصل من دليل الاعتبار الدال على حجيتهما مطلقاً. هذا وأما الايراد عليه في كلام شيخنا العلامة أيضاً بناءاً على ارادته من السنة الأخبار الحاكية برجوعه اما الى دليل الانسداد لو كان ملاكه دعوى العلم الإجمالي بتكاليف واقعية وأما الى الدليل الأول لو كان ملاكه دعوى العلم بصدور أخبار كثيرة بين ما بايدينا من الأخبار ففيه عند صاحب الكفاية ان ملاكه دعوى العلم بالرجوع الى الروايات في الجملة الى يوم القيامة ولا يخفى عليك ما فيه فان الشيخ (قدس سره) قد صرح بان دعوى المحقق للعلم بوجوب الرجوع الى الروايات الى يوم القيامة قيام الاجماع وضرورة الدين لا محل لها أصلًا للشك في تحقق الاجماع على ذلك فضلًا عن الضرورة ثم احتمل ان يكون ملاك هذه الدعوى عنده لزوم الخروج عن الدين مع رفع اليد عنها بالكلية فيصح حينئذ منه بلحاظ هذا الملاك دعوى الاجماع والضرورة على وجوب الرجوع إلا ان الدليل
بهذا اللحاظ يرجع الى دليل الانسداد واحتمل أيضاً ان يكون ملاكها العلم الاجمالي بصدور أكثرها الموجب لصحتها أيضاً إلا ان دليله بهذا اللحاظ يرجع الى الدليل الأول وهذا في غاية القوة والمتانة وما كان ليخفى على مثل الشيخ ان الملاك في ظاهر عبارة المحقق ما ذكره صاحب الكفاية إلا انه قدس الله ترتبته من دأبه وديدنه من حمل كلمات المحققين على الوجه الأحسن مهما أمكن ولما رأى ان دعوى المحقق للاجماع وضرورة الدين على وجوب الرجوع الى ما هو محل الخلاف فيما بينهم في غاية الوهن حمل ذلك على ما هو أجمل منه وجهاً وان كان لا يتم له أيضاً فراجع تمام كلامه تعرف حقيقة مرامه.
الاجماع
المستند الثالث للأحكام الإجماع وهو في اللغة الاتفاق ويستعمل في العزم وعده من معانيه في القاموس ومنه قوله تعالى: [فاجمعوا أمركم] ومنه قوله (ص): (لا صيام لمن لا يجمع الصيام من الليل). ونقله الأصوليون والفقهاء من معناه اللغوي الى معناه الاصطلاحي نقلًا تعينياً من قبيل نقل العام الى الخاص وهو الاتفاق الخاص في أمر ديني، واختلفوا في المراد من المتفقين والمشهور عن العامة هم أهل الحل والعقد من أمة محمد (ص) في عصر من الأعصار على أمر ديني. وذهب بعضهم الى انه اتفاق أهل المدينة المنورة على ذلك وقيل اتفاق الصحابة على ذلك، والمحكي عن أبن الحاجب انه اتفاق المجتهدين، فخرج بذلك العوام الذين لا عبرة بوفاقهم كما لا مضرة في خلافهم لكن ذلك لا يلائم ما اعتمدوا عليه في حجية الاجماع من قوله تعالى: [ومن يتبع غير سبيل المؤمنين] وقوله (ص): (لا تجتمع أمتي على الخطأ)، ولا ريب في ان كلًا من المؤمنين والامة شامل للعوام من الأمة الإسلامية، وقيدوا الاتفاق في عصر من الأعصار حتى يندفع ما ربما يتوهم من اشتراط اتفاق جميع الأعصار فإن ذلك ممتنع العلم به الا في ضروريات الدين ولا تحتاج في إثباتها الى الاجماع بل الضرورة، هي الدليل عليها
والاجماع مستكشف من تلك الضرورة وقيدوا الاتفاق بكونه (في أمر ديني) ليخرج مثل اتفاقهم على ان السقمونيا مسهل للصفراء فان اتفاقهم على ذلك ليس بحجة يجب اتباعها.
ثم إن الاجماع المصطلح اعني الاتفاق المذكور عند العامة حجة يجب اتباعها للآية المذكورة وللحديث المذكور.
وأما الاجماع المصطلح أعني الاتفاق المذكور عند الامامية فهو حجة عندهم إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم لأن المعصوم لا يخطأ ولهم في كشفه عن رأي المعصوم طرق:
أحدها: أن يعلم بوجود شخصه في المجمعين من دون تعين له وموافقته لهم قولًا كما لو علم بوجود المعصوم في مجلس فيه علماء ويقطع بوجود المعصوم فيهم ولكن لا يعرفه بعينه فسألهم عن القنوت في الصلاة فأجابوا بقول واحد انه ليس بواجب.
أو فعلًا كما في المثال المتقدم لو شربوا بأجمعهم التتن.
أو تركاً كما في المثال المذكور لو تركوا بأجمعهم الإقامة للفريضة.
أو تقريراً كما لو شرب واحد منهم القهوة ولم يردعه أحد منهم مع علمهم بشربه وقدرتهم على الردع وهذه الطريقة منسوبة لقدماء الامامية.
ثاني الطرق: أن يكون الكشف عن رأي المعصوم بقاعدة
اللطف بأن يقال ان الاتفاق المذكور الذي كان من أهل الحل والعقد أو أهل المدينة المنورة أو الصحابة أو المجتهدين لو لم يكن حقاً لوجب على المعصوم الرئيس لهم أن يظهر لهم بنفسه الحق أو باعلامه لأحد ثقاته من المجمعين بنحو يدل على صدقه أو ان يردعهم عن ذلك ولو كان غائباً ومستتراً عن الأنظار فإن ذلك من اللطف المقرب للطاعة والمبعد عن المعصية وكل لطف كذلك فهو واجب كما هو عند العدلية ومن اجل قاعدة اللطف أوجبوا على الله نصب الإمام (ع) فهي تقتضي ردعهم لو اتفقوا على الباطل فان ردعهم من أعظم الالطاف الالهيه الواجبة اذ هو اظهار كلمة الحق على لسان من يدعو اليها كي لا يلزم سقوط التكليف أو ثبوته مع التقصير ممن نصب لبيانه وحينئذ فاجماعهم على أمر يكشف عن موافقة رأي رئيسهم المعصوم حيث انه لم يردعهم يكون ما اتفقوا عليه حقاً مطابقاً لرأي المعصوم الذي هو رئيسهم فيكون الاتفاق المذكور كاشفاً عن رأي المعصوم بواسطة قاعدة اللطف لا بذاته كما في الطريقة الأولى فهذه الطريقة بخلاف الطريقة الأولى وبخلاف طريقة العامة فانهما كاشفتان عن رأي المعصوم وعن الواقع بذاتهما وبما أنهما اجماع.
وهذه الطريقة الثانية منسوبة للشيخ الطوسي (قدس سره) قد سلكها في العدة وتبعه بعض المتأخرين عنه وهي منقولة عن الحلبي في ظاهر الكافي وقد ارتضاها المرتضى (ره) ويظهر من كلامه ()
انها مذهب اصحابنا وان زيفها في كتابه الذريعة واحتمل اختصاص اللطف المذكور بزمن الحضور.
وأورد عليه بان عند اصحابنا ان الرئيس المعصوم موجود في كل زمان حتى زمن الغيبة.
واجيب بان اللطف غير واجب على الإمام في غيبته لانه كانت غيبته من قبلنا لا من قبله.
ويعضد هذه الطريقة ما استفاض من الأخبار عن الائمة الاطهار (ع) ان الارض لا تخلو من حجة يعرف بها الحلال من الحرام إذا أزاد المؤمنون شيئاً ردهم وان نقصّوا أتمه لهم. وحكي انه انتصر لهذه الطريقة في المصابيح بان هذا اللطف وجب ثبوته على المعصوم فيبقى عليه بعد الغيبة بمقتضى الأصل.
ولكن يمكن ان تُزيَّف هذه الطريقة ان قاعدة اللطف تقتضي الارشاد والهداية بنصب الحجة للهداية دون ايصاله الى الحق مع وقوفهم ضده والمنع من الاستفادة منه.
مضافاً الى ان اللطف المذكور انما يكون واجباً إذا لم تكن الطرق للواقع منصوبة لهم ومعذورون بالعمل بها حتى لو خالفت الواقع وإلا لكان الواجب ردع كل مجتهد أخطأ في اجتهاده وعيله فيكون قول المجتهد السابق الذي ليس له مخالف حجة على اللاحق اذ لو كان الحق على خلافه لوجب على المعصوم الرئيس ردعه لقاعدة اللطف.