وأما الأخبار المذكورة التي اشير اليها فالمراد منها ما يراد من وجوب الأمر بالمعروف من ان وجوب الرد مع عدم المانع وعدم وقوف السيطرة والسلطة دون الاستفادة منه فإنا لا نسلم وجوب الرد حال ظهوره في هذه الحال فكيف في حال غيبته وكانوا سبباً لاستتاره كما انها ظاهرة في تعمدهم الزيادة والنقيصة انه يجب عليه (ع) ان يردهم عنها في تلك الحال مضافاً الى ان فتواهم بخلاف الحكم الشرعي الواقعي المستندة الى الطرق المعتبر والاصول الصحيحة بحسب الموازين الشرعية ليست بباطلة حتى يجب على المعصوم الرئيس ردعهم عنها.
ثالث الطرق: ان يكون الكشف عن رأي المعصوم بنحو الحدس وهي الطريقة المنسوبة للمتأخرين بان يقال ان اتفاق أهل الحل والعقد أو الامة يستكشف منه حدساً رأي متبوعهم المطاع وان رئيسهم في ذلك هم على وفقه الا ترى انك تنسب الرأي لابي حنيفة أو الشافعي لان أصحابه متفقون على ذلك بل ننسب كل رأ ي الى صاحب المذهب إذا أفتى بذلك بعض أصحابه وربما بلغ العلم في ذلك حد الضرورة والبداهة بل يمكن ان يقال ان جميع ضروريات الدين والمذهب من هذا القبيل.
فالمدار في هذه الطريقة على الكثرة من العلماء الموجبة للكشف عن رأي رئيسهم. وقد طرح جماعة من العلماء جملة من الأخبار لان اجماعهم على خلافها مع كون رواتها في غاية من الورع وكون
أخبارهم نصب اعينهم انما كان لثبوت ضعفها عندهم ولهذا رد ثقة الاسلام في الكافي وعلي ابن فضال والشيخ كثيراً من الأخبار لمخالفتها للاجماع وانه على هذه الطريقة عول جماعة من محققي الأخباريين حتى قال الفاضل الأخباري ان افتاء جمع من الأخبارين كالصدوقين ومحمد ابن يعقوب بل الشيخ الطوسي بحكم لم يظهر نص فيه عندنا ولا خلاف يكون فيه دلالة قطعية عادية على وصول نص اليهم ويعضد ذلك انه لولاه لم يقم للفقه عمود ولم يخضر له عود فان أكثر المسائل الفقهية يتمسك بها بالاجماع على عدم الفصل ويؤخذ بالأخبار المجمع عليها والكتاب المجمع على تأويل و الاجماع الذي لا يكون فيه اختلاف فانه لو لم يستكشف العقلاء رأي المعصوم منها لما كان وجه لقبولها.
ويؤيد ذلك ويؤكده ما حكي عن الكليني (ره) في باب ابطال الرؤية في الصحيح عن أبي الحسن الرضا (ع) ان الروايات إذا خالفت القرآن كذّبتها وما أجمع عليه المسلمون وما رواه باسناده عن الصادق (ع) قال (ع) من فارق جماعة المسلمين قدر شبر فقد خلع ربقة الاسلام عن عنقه وبمعناه ما رواه المجلسي في البحار مسنداً عن الصادق (ع) انه (ع) قال من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الاسلام وما رواه العامة عن النبي (ص) انه قال: (لا تجتمع أمتي على الخطأ) وفي بعضها على الباطل وعن الحجة القائم (ع) انه قال: (وأما وجه
الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها السحاب واني لأمان لأهل الأرض كما ان النجوم أمان لأهل السماء) والأخبار في هذا المعنى كثيرة.
قال المحقق الرضي في لسان الخواص: إن الاطلاع على أقوال خواص طائفة وحصول العلم باتفاقهم على حكم يمكن بنحو من التتبع وعدم وجدان مخالف بينهم سيما مع انضمام القرائن الدالة عليه فان العادة تحكم بأنه لو كان لقولهم في تلك المسألة مخالف لظهر منه أثر فقد قالوا في عجز العرب عن معارضة القرآن لو قدروا لعارضوا ولو عارضوا لنقل الينا لتوفر الدواعي ومن هذا القبيل ما حكي عن أمير المؤمنين (ع) انه قال لمحمد بن الحنفية ما مضمونه: (لو سئلت عن وحدانية الله فقل لو كان اله آخر لظهر منه أثر). ولما كان مبنى هذه الطريقة على الحدس فلا يلزم ان يكون عدم ظهور الخلاف اذ لعله يحدس بنحو القطع رأي المعصوم من المتفقين في الفتوى كما لا يلزم ان يكون الكاشف الاتفاق وحده بل يكفي انضمامه الى القرائن الخارجية كورود روايات عديدة على ذلك الحكم المتفق عليه وموافقته للقواعد وحكم العقل أو عدم ظهور خلاف وغير ذلك مما يكون الاتفاق بعد انضمامه اليه كاشفاً حدساً بنحو القطع عن رأي المعصوم وان كان عدد المجمعين قليل اذ القطع برضاء المعصوم بذلك الحكم المتفق عليه حجة ونعم الحجة. وهذه الطريقة وان كانت أوضح الطرق وأبينها وأجلاها إلا انها لا توجب
غالباً الكاشفية عن رأي المعصوم الرئيس الواقعي لاحتمال استناد المجمعين الى حكم العقل ان كان للعقل مجال فيها أو الموجود للمسألة من أدلة النقل مما لا نراه نحن دليلًا بعد اطلاعنا عليه فلا يكشف اتفاقهم في المسألة التي اقيم على حكمها دليل العقل أو النقل عن الحكم الواقعي لرئيسهم.
فصل في الاجماع المنقول
الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة عند جماعة كثيرة ممن قال باعتبار الخبر الواحد بالخصوص من جهة ان الاجماع المنقول من أفراده من دون ان يكون عليه دليل بالخصوص كما لا يخفى على من أحاط بكلماتهم فلا بد في اعتباره من بيان شمول أدلة اعتبار الخبر للاجماع المنقول بعمومها واطلاقها. وتحقيق الحال فيه يستدعي رسم أمور:
الأول: في بيان وجه اعتبار الاجماع حتى يتكلف باعتبار نقله وقد تقدم ذلك.
الثاني: لا يخفى عليك انه يختلف الحال من أجل اختلاف نقل الاجماع بحسب الكيفية فتارة ينقل رأيه (ع) في ضمن دعوى الاجماع ونقله حدساً وهو الغالب كما في الوجه الأخير أو حساً كما في الوجه الأخير وهو نادر جداً وأخرى لا ينقل إلا ما هو السبب عند ناقله عقلًا أو عادةً أو اتفاقاً كما في الوجه الأوسط وكذا يختلف الحال من أجل اختلاف الفاظ النقل أيضاً صراحة كلفظ الاجماع وما أشبهه وظهوراً كلفظ الاتفاق وما أشبهه وأجمالًا في ذلك كلفظ عندنا أو هو مذهب علماء الاسلام وما أشبهه ومعنى الاجمال في
ذلك أي في أنه نقل السبب وحده أو السبب والمسبب.
الثالث: لا يخفى عليك ان المستفاد من أدلة حجية الخبر وهو تنزيل مؤداه منزلة الواقع في لزوم ترتيب آثاره عليه عقلية كانت كوجوب الامتثال وحرمة الضد أو شرعية فيما إذا دل الخبر على عدم تحريم عشر رضعات الموجب لتحقق جواز التزويج فلابد من ان يكون للواقع أثر واقعي يكون التنزيل بلحاظه هذا في غير ما إذا كان الواقع حكماً تكليفياً أو وضعياً وإلا كفى في التنزيل لحاظه بنفسه وجوداً وعدماً كما لا يخفى، وهذا هو الحال في كل ما تعبد الشارع به طريقاً الى الواقع ولا يجب ان يكون الأثر فعلياً بمعنى كون الموضوع الواقعي علة تامة لثبوت الأثر بل يكفي ان يكون جزء علة أيضاً كما في البينة فإن وجوب تصديق كل واحد فعلًا انما هو بلحاظ الأثر المترتب على تصديق جميع العدد بلغ ما بلغ، وأيضاً ظاهر أدلة الحجية ان الخبر لابد وان يكون عن حس أو عما هو قريب من الاحساس بمعنى ان مبادئه التي يلزمها عقلًا أو عادةً ذاك الأثر من الأمور المحسوسة كالشجاعة والكرم وما جرى على هذا النحو. والوجه في ظهور الأدلة في ذلك انها بأجمعها ناظرة الى الواقع في التنزيل. والأخبار عن الأمور الحدسية ليس أخباراً عن الواقع بل عما في الحدس بل لفظ الخبر والحكاية والرواية والنقل وما أشبهها لا تشمل حيث تطلق مجردة الأخبار عن الأمور الحدسية فانها عند التحليل مجرد دعاوي. إذا عرفت ذلك فاعلم أن أدلة حجية الخبر
لا تشمل نقل الاجماع إلا إذا كان المسبب محسوساً أو كان السبب مما يستلزم عقلًا لدى عامة العقلاء أو عادةً لدى عامة الناس وجود المسبب فلا يكون نقل الاجماع حجة إلا إذا كان قول الإمام في ضمن أقوال المجمعين أو كانت أقوالهم تستلزمه عقلًا أو عادةً وان كانت جزء العلة فلا فرق على ذلك بين نقل السبب أو جزء السبب أو المسبب، أما إذا لم يكن كذلك بل كان على نحو الاستلزام العقلي أو العادي أو الاتفاقي في نظر الناقل فلا تشمله أدلة الحجية لا بما هو نقل للسبب ولا بما هو نقل للمسبب.
أماالأولفلعدم أثر واقعي وانما كان بنظر الناقل ذا أثر.
وأماالثانيفلأنه خبر عن حدس فانقدح بما ذكرنا معنى ما أفاده صاحب الكفاية من انه لا اشكال في حجية الاجماع المنقول بأدلة حجية الخبر إذا كان نقله متضمناً لنقل السبب والمسبب عن حس لو لم نقل بان نقله كذلك في زمان الغيبة موهون جداً إلا إذا كان الناقل من الابدال المتميزة حقائقهم على سبيل القطع وكذا إذا لم يكن متضمناً له بل كان ممحضاً لنقل السبب عن حس إلا انه كان سبباً بنظر المنقول اليه أيضاً عقلًا أو عادة أو اتفاقاً فيعامل حينئذ مع المنقول معاملة المحصّل في الالتزام بمسببه والاخذ بأحكامه وآثاره بل وكذا لو كان جزء السبب والسر في انه إذا كان سبباً بنظرهما يكون مشمولًا دون ما إذا كان بنظر الناقل انه يكون مما له أثر واقعي بحسب قطعهما إلا في الصورة الأخيرة إذا علم ان السببية اتفاقية ضرورة
إنهما قاطعان ان سببيته ذلك لهذا المسبب كسببية آثار الشجاعة للدلالة على وجودها فتشمله أدلة الحجية بحسب قطعهما أيضاً، وأما في السببية الاتفاقية فعندي إشكال لما عرفت من قصور الأدلة عن شمول ما لا أثر له واقعاً كما انه إذا كان نقله للمسبب لا عن حس بل بملازمة ثابتة عند الناقل بوجه أما من باب اللطف أو غيره دون المنقول اليه ففيه اشكال أيضاً أظهره في الصورتين معاً عدم نهوض تلك الأدلة على حجيته. نعم في الصورة الأولى إذا كان ما هو السبب اتفاقاً عند الناقل جزء السبب المستلزم عقلًا أو عادةً عند المنقول اليه فحينئذ يكون حجة إذا حصل للمنقول اليه جزء السبب الآخر وكذا إذا كان ما هو السبب عقلًا أو عادةً بنظر الناقل وغيره يكون بنظر المنقول اليه سبباً اتفاقاً لتمامية ملاك الحجية على هذين التقديرين وأما الثانية فهي مطلقاً كما ذكرنا اذ المتقين من بناء العقلاء على تقدير كونه هو مدرك حجية الخبر غير ذلك كما ان المنصرف من الآيات والروايات على تقدير دلالتهما على الحجية ذلك كما عرفت فيما سبق خصوصاً فيما إذا رأى المنقول اليه خطأ الناقل في اعتقاد الملازمة أو كانت الملازمة بنظرهما اتفاقية لا ذاتية اذ هي ليس ملازمة وانما هو محض اتفاق هذا كله فيما إذا انكشف الحال عند النقل وعلم وجهه.
وأما فيما اشتبه فلم يعلم ان الناقل بأي كيفية نقل عن حس أو عن حدس فلا يبعد ان يقال بالاعتبار لدلالة الدليل على اعتبار كل