ما يخبر به الثقة ما لم يعلم كونه عن حدس لكن لا مطلقاً بل فيما إذا كان نوع المخبر به مبنياً على الحس وكونه عن حدس من الأمور الاتفاقية أما إذا كان الأمر بالعكس فالظاهر عدم الاعتبار فان عمدة أدلة حجية الأخبار هو بناء العقلاء وهم كما يعملون بخبر الثقة إذا علم انه عن حس يعملون به أيضاً فيما يحتمل كونه عن حدس حيث انه ليس بنائهم إذا أخبروا بشيء على التوقف والتفتيش عن انه عن حدس أو حس بل ديدنهم وما بهم العمل على طبقه والجري على وفقه من دون ذلك، نعم في الصورة الثانية ربما كان عملهم على العكس بل لا يبعد ان يكون بنائهم على ذلك في الصورة الأولى فيما لا يكون هناك امارة توجب قوة احتمال كونه مبنياً على الحدس أو على اعتقاد الملازمة فيما لا يرون هناك ملازمة كما لو أخبر شخص بعدالة آخر مع علم المخبر ان المخبر لم يشاهد من ذلك الشخص إلا تهجده ليلًا فاخبر لاعتقاد الملازمة بينه وبين ملكة العدالة ففي مثل ذلك لا يرتبون على خبره أثراً كما هو المشاهد من عامة العقلاء فلو كان ما نحن فيه من قبيل الصورة الأولى كان ما ذكرناه مجدياً لكن الأمر بالعكس فان الاجماعات المنقولة في السنة الاصحاب غالباً مبنية على حدس الناقل أو اعتقاد الملازمة عقلًا فلا اعتبار لها ما لم ينكشف ان نقل المسبب كان مستنداً الى الحس. نعم الغالب بالنسبة الى نقل السبب هو العكس الا من مثل ابن ادريس ومن جرى مجراه حيث علم ان غالب نقلهم للسبب للحدس الحاصل لهم من رواية
الاصحاب للرواية المتضمنة لذلك الحكم الا ترى ابن ادريس في غير مقام يدعي اتفاق الفرقة على الحكم ثم يعلله بانهم اتفقوا على ذكر روايته فلا اعتبار بمثل هذا النقل للسبب أيضاً فلابد في الاجماعات المنقولة بالفاظها المختلفة من استظهار مقدار دلالة الفاظها ولو بملاحظة حال الناقل وخصوص موضع النقل وزمانه وغير ذلك مما استقصاه صهرنا العلامة في كشفه فيؤخذ بذاك المقدار ويعامل معه كأنه المحصل فان كان بمقدار تمام السبب رتب عليه أثره وأفتى بالحكم وإلا فلا يجدي ما لم يضم اليه مما حصله ونقل له من سائر الأقوال أو عرفه من سائر الامارات حتى يقطع بأنه تم فيرتب عليه الحكم ويكون حال ما نقل له من حيث كونه جزء السبب في تصديقه كحال جزء البينة فافهم. فتلخص بما ذكرنا ان الاجماع المنقول بخبر الواحد من جهة حكايته رأي الإمام (ع) بالتضمن أو الالتزام كخبر الواحد في الاعتبار يعني كالحكم المنقول بخبر الواحد إذا كان من نقل إليه ممن يرى الملازمة بين رأيه (ع) وما نقله من الأقوال بنحو الجملة والاجمال وتعمه أدلة اعتباره وينقسم بأقسامه من حيث الصحة والوثاقة والقوة والضعف وغيرها ويشاركه في احكامه والا لم يكن مثله في الاعتبار من جهة الحكاية له وأما من جهة نقل السبب فهو في الاعتبار بالنسبة الى مقدار من الأقوال التي نقلت اليه على الاجمال بالفاظ نقل الاجماع مثل ما إذا نقلت على التفصيل فلا فرق بين قوله اتفقوا أو أجمعوا أو قوله قال فلان وقال فلان فإذا
كان المنقول تمام السبب في رأي المنقول اليه فلا محيص عن ترتيب أثره وإذا كان بعضه فلو كان بحيث لو ضم اليه مما حصله أو نقل اليه من أقوال السائرين أو سائر الامارات مقدار كان المجموع منه ومن ما نقل بلفظ الاجماع بمقدار السبب التام كان المجموع كالمحصل ويكون حاله كما إذا كان كله منقولًا. وقد عرفت ان لا تفاوت في اعتبار الخبر بين ما إذا كان المخبر به تمامه أو ما له دخل فيه وبه قوامه، وبعبارة أخرى لا تفاوت في وجوب تصديق المخبر فيما أخبر به بين ان يكون ما أخبر به تمام السبب أو جزئه كما يشهد به حجيته أي الخبر بلا ريب في تعيين حال السائل وخصوصية القضية الواقعة المسئول عنها وغير ذلك مما له دخل في تعيين مرامه (ع) من كلامه ولم يكن تمام السبب لترتيب الأثر وهذا الذي أفاده صاحب الكفاية هو ملخص ما أفاده صهر جدنا كما لا يخفى على من راجع كلامه وينبغي التنبيه على أمور:
الأمر الأول: قد عرفت مما مر أن مبنى دعوى الاجماع غالباً هو اعتقاد الملازمة لأحد أمرين أما عقلًا لقاعدة اللطف وهي على ما يقتضيه التحقيق باطلة لا معول عليها وأما اتفاقاً لحصول القطع بالحكم بحدس رأيه (ع) من فتوى جماعه وهي أيضاً غالباً غير مسلمة وأما كون المبني العلم بدخوله بشخصه في الجماعة أو العلم برأيه للاطلاع على رأي الرئيس العام أو الخاص إذا حصل الاطلاع والظفر بما يلازمه عادةً من آراء أتباعه وخواصه فيما اتفقوا عليه
بينهم قولًا واحداً من الفتاوي فقليل جداً في الاجماعات المتداولة في السنة الاصحاب كما لا يخفى بل لا يكاد يتفق العلم بدخوله (ع) على نحو الاجمال في الجماعة في زمان الغيبة بل هو من المحالات العادية بل العقلية ووجهه غني من البيان واما كون المبني هو العلم بقوله مشافهة فهو بعيد جداً معدوم الفائدة لا يحتمل في حق كل قائل وان احتمل تشرف بعض القائلين وهو الأوحدي منهم بخدمته ومعرفته أحياناً كما شاع وقبله الاجلاء الاعاظم في حق المحقق الورع التقي الاردبيلي وبعض من تقدمه وبعض من تأخر عنه فإذا كان مبنى الاجماع على هذا النهج فلا يكاد يجدي نقل الاجماع إلا من باب نقل السبب لما عرفت من انه من حيث نقل المسبب بين ما هو مستحيل الوقوع عادةً وان كان حجة على تقدير وقوعه وهو ما إذا كان محسوساً أو كالمحسوس كدخول شخصه في المجمعين أو ما هو بحكمه وبين ما هو مضافاً الى استحالة وقوعه ليس بحجة على تقدير الوقوع وذلك إذا كان بنحو الكشف بالملازمة وانما يجدي في نقل السبب بالمقدار الذي أحرز المنقول اليه وأحرز عنده من لفظه بعد الفحص وتدقيق النظر بما أكتنف لفظه به من قرينة حال أو مقال ويعامل حينئذ معه معاملة المحصل سواء كان المنقول تمام السبب أو جزئه كما عرفت. وأول من نبه على انحصار فائدة نقل الاجماع في ذلك هو صهر جدنا العلامة (أعلا الله مقامه) وتبعه على ذلك عامة من تأخر عنه وان ناقشه في الجملة شيخنا العلامة المرتضى بما لا ينبغي
صدوره من مثله إلا انه أشرف الله قدره قد صدر أول المسألة عذره كما لا يخفى على الخبير.
الأمر الثاني: قد ذكرنا سابقاً ان الملحوظ في دليل التعبد بالخبر انما هو التنزيل بلحاظ الأثر وانه لابد من ان يكون للمنزل عليه أثر واقعي وان السبب المنقول إذا لم يكن مستلزماً إلا بنحو الاتفاق ليس مما له الأثر فلا يشمله دليل التنزيل فاعلم انه لا يجب في الأثر المترتب ان يكون موجوداً من حين وجود المنزل عليه بل يكفي وجوده متأخراً من غير فرق بين الطرق والأصول في ذلك مثلًا لو نذر ان يتصدق بدرهم يوم الجمعة متطهراً وكان قد تطهر يوم الخميس وشك في بقائها يوم الجمعة فيكفي في استصحابها ترتب هذا الأثر عليها إذا عرفت ذلك ظهر لك انه إذا كان المنقول تمام السبب لكن بنظر الناقل والمنقول اليه خاصة بالملازمة الاتفاقية فيكفي في حجية نقل السبب ترتب أثره عليه بنظر المنقول اليه بعد قطعه باستلزامه لحكم الإمام في تلك الواقعة وان لم يكن له هذا الأثر واقعاً قبل ذلك غاية الأمر احتمال كون قطع المنقول اليه جهلًا مركباً في الواقع وهذا ليس بمانع وإلا لمنع في جميع الآثار المرتبة بطرق القطع. هذا مضافاً الى ان حجية نقل السبب لا تختص لحاظاً بهذا الأثر بل للسبب آثار كثيرة كمعرفة الخبر المجمع عليه من الشاذ والمعمول به من المتروك ومعرفة الفتوى المشهورة من غيرها بناءاً على حجية الشهرة أو جبرها أو الترجيح بها ومعرفة الموافق للعامة من المخالف وغير ذلك فان
ذلك كله موقوف على معرفة أقوال العلماء قطعاً أو تعبداً.
الأمر الثالث: قد عرفت عدم شمول أدلة الحجية لنقل المسبب إذا كان العلم به عن حدس ففي صورة نقل السبب التام بنظر المنقول اليه من حيث كشفه عن رأي الإمام تكون الحجية لنقل السبب خاصة، وأما القطع بالمسبب فهو من باب توافق الرائيين فبناءاً على نقل حجية نقل السبب والمسبب معاً يكون الدليل بمقدميته ظنياً وبناءاً على حجية نقل السبب خاصة تكون إحدى مقدمتيه ظنيه والأخرى قطعية فتأمل جداً.
الأمر الرابع: قد أشرنا الى أن فائدة نقل الاجماع هي ثبوت السبب للمنقول اليه الكاشف عنده لو كان معلوما عن قول الحجة بطريق ظني قام على حجيته قاطع فهل يجوز للمنقول اليه الاعتماد عليه وان تمكن من العلم به تفصيلًا أو لا يجوز الا مع تعذره؟ وعلى تقدير تعذر العلم بتمام السبب وتيسره ببعضه فهل يجب في غير ما تعذر تحصيل العلم بمقدار ما تيسر أو ان كون العلم بتمامه غير مقدور كاف في سقوط وجوب تحصيله بالميسور؟ وجهان بل لعلهما قولان أقواهما وأوضحهما عندي في المقام وفي كل ما كان من قبيله هو الأول ضرورة ان تحصيل العلم بالاحكام الشرعية واجب عقلا فيجب تحصيله في كل ما يتوقف تحصيل العلم بالحكم عليه وفيما لا يمكن تحصيله تتقدر الضرورة بقدرها نعم لو ثبت ان النتيجة إذا كانت ظنيه على كل حال فلا فرق بين ان تكون مقدماتها بأسرها
ظنية أو بعضها دون بعض من حيث القرب الى الواقع والبعد عنه لم يجب قطعاً ولكن دون اثبات ذلك خرط القتاد ومن ذلك تعلم ان الأقوى والاظهر في المقام الأول عدم صحة الاعتماد على النقل إلا عند تعذر العلم لعدم دليل على التوسعة مع انه أوفق بالاحتياط ويظهر من مطاوى كلمات صهر جدنا العلامة ان ذلك من المسلمات فلاحظ.
الأمر الخامس: انه لا يخفى عليك مما قدمنا من جريان أقسام الخبر واحكامه في الاجماع المنقول، وعليه ان الاجماعات المنقولة إذا اتفقت تعاضدت وقد تصل الى حد الاستفاضة وقد تتواتر فيحصل القطع بمضمونها فيتساوى حال المنقول والمحصل بل لعل حال المنقول أقوى من المحصل حينئذ لكشفه عن توافق النسخ وصحتها وعن مسلمية نصوصية النص وظهور الظاهر مما حسبه كذلك في عبائرهم وغير ذلك وأقوى من ذلك ما لو حصله هو بنفسه وتواتر نقله وإذا اختلفت وتعارض منها ظاهراً اثنان أو أكثر فان علم اتحاد طريقة الناقلين في الاستكشاف ثبت التعارض مطلقاً من حيث السبب أو من حيث المسبب وان علم اختلافهما لكن لا من حيث السبب بل من حيثية الاستكشاف به، مثلًا اتفاق علماء عصر واحد يستلزم موافقة الإمام مع عدم رادع في البين لطفاً عند الشيخ وعادةً لكشف اتفاق الاتباع عن رأي المتبوع عند آخرين فكما لصورة الأولى في ثبوت التعارض مطلقاً وان علم اختلافهما بحسب كيفية الاستكشاف
كاشفاً ومنكشفاً أو لم يعلم اتحادها ولا اختلافها فلا يكون التعارض إلا بحسب المسبب ولأنه موضوع واحد تعاود عليه النفي والاثبات وأما بحسب السبب فلا تعارض في البين لعدم احراز اتحاد الموضوع لاحتمال صدق الكل باحتمال ان يكون سبب دعواه من واحد اجماعهم على اثبات الرواية المتضمنة على الحكم ومن آخر مشافهته (ع) ومن آخر فتوى جماعة حدس بها رأيه (ع) ومن آخر فتوى جماعة هو في جملتهم وهكذا. وكيف كان فحيث يحصل التعارض في أي صورة كانت فهل يجري فيه ما يجري في الخبر من التوقف عن الحكم واقعاً والحكم بالتخيير ظاهراً بناءاً على الطريقية أو الحكم بالتخيير واقعاً بناءاً على الموضوعية أو لا يجري إلا الحكم بالسقوط عن الحجية في المورد والرجوع الى دليل آخر ان كان وإلا فالأصل الظاهر بل المتعين هو الثاني لأن المقام ليس مقام العمل وانما هو مقام استكشاف رأي الإمام واقامة البرهان على حكم من الاحكام والتخيير أجنبي عن ذلك. والحاصل ان ما ذكر في الأخبار العلاجية وان كان هو حكم المتعارضين لكن لا مطلقاً بل في المحل القابل لذلك وهو منحصر في مقام العمل كما لا يخفى. فانقدح لك ان نقل الفتاوي على الاجمال بلفظ الاجماع حينئذ لا يصلح لأن يكون سبباً ولا جزء سبب لثبوت الخلاف فيها فيسقط موضوع السبب عن السببية ولا يحتاج الى التعليل بان الأخذ باحدها حينئذ ترجيح بلا مرجح بل لا معنى له في خصوص المقام إلا انه يمكن