والاجماع مستكشف من تلك الضرورة وقيدوا الاتفاق بكونه (في أمر ديني) ليخرج مثل اتفاقهم على ان السقمونيا مسهل للصفراء فان اتفاقهم على ذلك ليس بحجة يجب اتباعها.
ثم إن الاجماع المصطلح اعني الاتفاق المذكور عند العامة حجة يجب اتباعها للآية المذكورة وللحديث المذكور.
وأما الاجماع المصطلح أعني الاتفاق المذكور عند الامامية فهو حجة عندهم إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم لأن المعصوم لا يخطأ ولهم في كشفه عن رأي المعصوم طرق:
أحدها: أن يعلم بوجود شخصه في المجمعين من دون تعين له وموافقته لهم قولًا كما لو علم بوجود المعصوم في مجلس فيه علماء ويقطع بوجود المعصوم فيهم ولكن لا يعرفه بعينه فسألهم عن القنوت في الصلاة فأجابوا بقول واحد انه ليس بواجب.
أو فعلًا كما في المثال المتقدم لو شربوا بأجمعهم التتن.
أو تركاً كما في المثال المذكور لو تركوا بأجمعهم الإقامة للفريضة.
أو تقريراً كما لو شرب واحد منهم القهوة ولم يردعه أحد منهم مع علمهم بشربه وقدرتهم على الردع وهذه الطريقة منسوبة لقدماء الامامية.
ثاني الطرق: أن يكون الكشف عن رأي المعصوم بقاعدة
اللطف بأن يقال ان الاتفاق المذكور الذي كان من أهل الحل والعقد أو أهل المدينة المنورة أو الصحابة أو المجتهدين لو لم يكن حقاً لوجب على المعصوم الرئيس لهم أن يظهر لهم بنفسه الحق أو باعلامه لأحد ثقاته من المجمعين بنحو يدل على صدقه أو ان يردعهم عن ذلك ولو كان غائباً ومستتراً عن الأنظار فإن ذلك من اللطف المقرب للطاعة والمبعد عن المعصية وكل لطف كذلك فهو واجب كما هو عند العدلية ومن اجل قاعدة اللطف أوجبوا على الله نصب الإمام (ع) فهي تقتضي ردعهم لو اتفقوا على الباطل فان ردعهم من أعظم الالطاف الالهيه الواجبة اذ هو اظهار كلمة الحق على لسان من يدعو اليها كي لا يلزم سقوط التكليف أو ثبوته مع التقصير ممن نصب لبيانه وحينئذ فاجماعهم على أمر يكشف عن موافقة رأي رئيسهم المعصوم حيث انه لم يردعهم يكون ما اتفقوا عليه حقاً مطابقاً لرأي المعصوم الذي هو رئيسهم فيكون الاتفاق المذكور كاشفاً عن رأي المعصوم بواسطة قاعدة اللطف لا بذاته كما في الطريقة الأولى فهذه الطريقة بخلاف الطريقة الأولى وبخلاف طريقة العامة فانهما كاشفتان عن رأي المعصوم وعن الواقع بذاتهما وبما أنهما اجماع.
وهذه الطريقة الثانية منسوبة للشيخ الطوسي (قدس سره) قد سلكها في العدة وتبعه بعض المتأخرين عنه وهي منقولة عن الحلبي في ظاهر الكافي وقد ارتضاها المرتضى (ره) ويظهر من كلامه ()
انها مذهب اصحابنا وان زيفها في كتابه الذريعة واحتمل اختصاص اللطف المذكور بزمن الحضور.
وأورد عليه بان عند اصحابنا ان الرئيس المعصوم موجود في كل زمان حتى زمن الغيبة.
واجيب بان اللطف غير واجب على الإمام في غيبته لانه كانت غيبته من قبلنا لا من قبله.
ويعضد هذه الطريقة ما استفاض من الأخبار عن الائمة الاطهار (ع) ان الارض لا تخلو من حجة يعرف بها الحلال من الحرام إذا أزاد المؤمنون شيئاً ردهم وان نقصّوا أتمه لهم. وحكي انه انتصر لهذه الطريقة في المصابيح بان هذا اللطف وجب ثبوته على المعصوم فيبقى عليه بعد الغيبة بمقتضى الأصل.
ولكن يمكن ان تُزيَّف هذه الطريقة ان قاعدة اللطف تقتضي الارشاد والهداية بنصب الحجة للهداية دون ايصاله الى الحق مع وقوفهم ضده والمنع من الاستفادة منه.
مضافاً الى ان اللطف المذكور انما يكون واجباً إذا لم تكن الطرق للواقع منصوبة لهم ومعذورون بالعمل بها حتى لو خالفت الواقع وإلا لكان الواجب ردع كل مجتهد أخطأ في اجتهاده وعيله فيكون قول المجتهد السابق الذي ليس له مخالف حجة على اللاحق اذ لو كان الحق على خلافه لوجب على المعصوم الرئيس ردعه لقاعدة اللطف.
وأما الأخبار المذكورة التي اشير اليها فالمراد منها ما يراد من وجوب الأمر بالمعروف من ان وجوب الرد مع عدم المانع وعدم وقوف السيطرة والسلطة دون الاستفادة منه فإنا لا نسلم وجوب الرد حال ظهوره في هذه الحال فكيف في حال غيبته وكانوا سبباً لاستتاره كما انها ظاهرة في تعمدهم الزيادة والنقيصة انه يجب عليه (ع) ان يردهم عنها في تلك الحال مضافاً الى ان فتواهم بخلاف الحكم الشرعي الواقعي المستندة الى الطرق المعتبر والاصول الصحيحة بحسب الموازين الشرعية ليست بباطلة حتى يجب على المعصوم الرئيس ردعهم عنها.
ثالث الطرق: ان يكون الكشف عن رأي المعصوم بنحو الحدس وهي الطريقة المنسوبة للمتأخرين بان يقال ان اتفاق أهل الحل والعقد أو الامة يستكشف منه حدساً رأي متبوعهم المطاع وان رئيسهم في ذلك هم على وفقه الا ترى انك تنسب الرأي لابي حنيفة أو الشافعي لان أصحابه متفقون على ذلك بل ننسب كل رأ ي الى صاحب المذهب إذا أفتى بذلك بعض أصحابه وربما بلغ العلم في ذلك حد الضرورة والبداهة بل يمكن ان يقال ان جميع ضروريات الدين والمذهب من هذا القبيل.
فالمدار في هذه الطريقة على الكثرة من العلماء الموجبة للكشف عن رأي رئيسهم. وقد طرح جماعة من العلماء جملة من الأخبار لان اجماعهم على خلافها مع كون رواتها في غاية من الورع وكون
أخبارهم نصب اعينهم انما كان لثبوت ضعفها عندهم ولهذا رد ثقة الاسلام في الكافي وعلي ابن فضال والشيخ كثيراً من الأخبار لمخالفتها للاجماع وانه على هذه الطريقة عول جماعة من محققي الأخباريين حتى قال الفاضل الأخباري ان افتاء جمع من الأخبارين كالصدوقين ومحمد ابن يعقوب بل الشيخ الطوسي بحكم لم يظهر نص فيه عندنا ولا خلاف يكون فيه دلالة قطعية عادية على وصول نص اليهم ويعضد ذلك انه لولاه لم يقم للفقه عمود ولم يخضر له عود فان أكثر المسائل الفقهية يتمسك بها بالاجماع على عدم الفصل ويؤخذ بالأخبار المجمع عليها والكتاب المجمع على تأويل و الاجماع الذي لا يكون فيه اختلاف فانه لو لم يستكشف العقلاء رأي المعصوم منها لما كان وجه لقبولها.
ويؤيد ذلك ويؤكده ما حكي عن الكليني (ره) في باب ابطال الرؤية في الصحيح عن أبي الحسن الرضا (ع) ان الروايات إذا خالفت القرآن كذّبتها وما أجمع عليه المسلمون وما رواه باسناده عن الصادق (ع) قال (ع) من فارق جماعة المسلمين قدر شبر فقد خلع ربقة الاسلام عن عنقه وبمعناه ما رواه المجلسي في البحار مسنداً عن الصادق (ع) انه (ع) قال من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الاسلام وما رواه العامة عن النبي (ص) انه قال: (لا تجتمع أمتي على الخطأ) وفي بعضها على الباطل وعن الحجة القائم (ع) انه قال: (وأما وجه
الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها السحاب واني لأمان لأهل الأرض كما ان النجوم أمان لأهل السماء) والأخبار في هذا المعنى كثيرة.
قال المحقق الرضي في لسان الخواص: إن الاطلاع على أقوال خواص طائفة وحصول العلم باتفاقهم على حكم يمكن بنحو من التتبع وعدم وجدان مخالف بينهم سيما مع انضمام القرائن الدالة عليه فان العادة تحكم بأنه لو كان لقولهم في تلك المسألة مخالف لظهر منه أثر فقد قالوا في عجز العرب عن معارضة القرآن لو قدروا لعارضوا ولو عارضوا لنقل الينا لتوفر الدواعي ومن هذا القبيل ما حكي عن أمير المؤمنين (ع) انه قال لمحمد بن الحنفية ما مضمونه: (لو سئلت عن وحدانية الله فقل لو كان اله آخر لظهر منه أثر). ولما كان مبنى هذه الطريقة على الحدس فلا يلزم ان يكون عدم ظهور الخلاف اذ لعله يحدس بنحو القطع رأي المعصوم من المتفقين في الفتوى كما لا يلزم ان يكون الكاشف الاتفاق وحده بل يكفي انضمامه الى القرائن الخارجية كورود روايات عديدة على ذلك الحكم المتفق عليه وموافقته للقواعد وحكم العقل أو عدم ظهور خلاف وغير ذلك مما يكون الاتفاق بعد انضمامه اليه كاشفاً حدساً بنحو القطع عن رأي المعصوم وان كان عدد المجمعين قليل اذ القطع برضاء المعصوم بذلك الحكم المتفق عليه حجة ونعم الحجة. وهذه الطريقة وان كانت أوضح الطرق وأبينها وأجلاها إلا انها لا توجب
غالباً الكاشفية عن رأي المعصوم الرئيس الواقعي لاحتمال استناد المجمعين الى حكم العقل ان كان للعقل مجال فيها أو الموجود للمسألة من أدلة النقل مما لا نراه نحن دليلًا بعد اطلاعنا عليه فلا يكشف اتفاقهم في المسألة التي اقيم على حكمها دليل العقل أو النقل عن الحكم الواقعي لرئيسهم.
فصل في الاجماع المنقول
الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة عند جماعة كثيرة ممن قال باعتبار الخبر الواحد بالخصوص من جهة ان الاجماع المنقول من أفراده من دون ان يكون عليه دليل بالخصوص كما لا يخفى على من أحاط بكلماتهم فلا بد في اعتباره من بيان شمول أدلة اعتبار الخبر للاجماع المنقول بعمومها واطلاقها. وتحقيق الحال فيه يستدعي رسم أمور:
الأول: في بيان وجه اعتبار الاجماع حتى يتكلف باعتبار نقله وقد تقدم ذلك.
الثاني: لا يخفى عليك انه يختلف الحال من أجل اختلاف نقل الاجماع بحسب الكيفية فتارة ينقل رأيه (ع) في ضمن دعوى الاجماع ونقله حدساً وهو الغالب كما في الوجه الأخير أو حساً كما في الوجه الأخير وهو نادر جداً وأخرى لا ينقل إلا ما هو السبب عند ناقله عقلًا أو عادةً أو اتفاقاً كما في الوجه الأوسط وكذا يختلف الحال من أجل اختلاف الفاظ النقل أيضاً صراحة كلفظ الاجماع وما أشبهه وظهوراً كلفظ الاتفاق وما أشبهه وأجمالًا في ذلك كلفظ عندنا أو هو مذهب علماء الاسلام وما أشبهه ومعنى الاجمال في