الحاشية والكتاب بأنه لا يعقل ان يكون عقاب محتمل الحرمة اعظم من عقاب الحرام ومن المعلوم ان شيخنا العلامة لم يتوهم من كلامهم ان مرتكب المحتمل تقع عليه صاعقة من السماء فتحرقه وانما أراد ما ذكرنا من ان الخصم يذهب الى ان حال محتمل الحرمة حال الحرام واقعاً من حيث اهليته لترتب العقاب عليه فعلًا ونفي العذاب الفعلي يدل على نفي الاستحقاق ضرورة ان مدرك الاستحقاق هو ما دل على الفعلية كأخبار التثليث فإذا ارتفع هذا المدرك بالآية ارتفع الاستحقاق بالضرورة إلا ان يدل على الاستحقاق مع رفع الفعلية دليل وهو موجود في باب الملازمة دون ما نحن فيه فلا وجه لما ذكره صاحب الكفاية سنداً للمنع وقد تعرضنا لذلك في تعليقة البراءة فراجع. هذا مع نفي الفعلي كاف في الاستدلال وان ثبت الاستحقاق بدليل قطعي ضرورة ان مناط البراءة وملاكها هو الامن وعدم الخوف من العقاب وهو حاصل بدليل نفيه والاستحقاق مع القطع بعدم ترتب العقاب عليه لا أثر له في الخوف قطعاً ومن العجب عدم التفات الفحول الى ذلك في المقام نعم لو كان العذاب المنفي هو الدنيوي لم يكن نفيه مؤمناً إلا انه كما ترى مضافاً الى ان الكلام انما هو على تقدير تسليم عدم اختصاصه بالدنيوي كما هو صريح صاحب الكفاية وإلا كان الجواب بالاختصاص مغنياً عن هذا الطول فافهم فانه دقيق جداً، فالانصاف دلالة الآية جزماً على ما نحن فيه. وأظهر من هذه الآية عندي قوله تعالى: [لا يكلف الله نفساً إلا ما أتاها] وتقريب الاستدلال بها ان المراد من ما الموصولة بقرينة
ايقاع الفعل عليها وعدم تعديته بالباء هو التكليف على نحو المفعول المطلق ويكون إيتانه كناية عن الاقدار عليه فيكون المعنى لا يكلف الله نفساً إلا تكليفاً أقدرها عليه والاقدار عليه انما يتحقق بالاعلام به وامكان متعلقه فأيهما فقد لم يكن مقدوراً، وقد اشتهر ان التكليف بما لا طريق الى العلم به تكليف بما لا يطاق فترك محتمل الحرمة بما هو حرام غير مقدور قبل العلم بحرمته وهو المطلوب. ولا ينافي ذلك عدم كون قصد الامتثال شرطاً في التوصليات فان عدم الاشتراط غير عدم الامكان والمقصود في المقام الثاني وهذا المعنى أظهر معاني الآية بل هو ظاهرها بقرينة السياق أولًا وبقرينة نظائرها من قوله: [لا يكلف الله نفساً إلا وسعها] ثانياً ولعدم الحاجة الى تقدير شيء ثالثاً ولشمولها حينئذ للمورد وغيره رابعاً ولرواية عبد الاعلى خامساً ولأن كونه مفعولًا به يحتاج الى دخول الباء لأن الفعل يتعدى بها لا بنفسه ففي رواية عبد الأعلى هل كلف الناس بالمعرفة واسم المفعول منه مكلف به سادساً.
وأما السنة فروايات منها حديث الرفع وهو: (رفع عن امتي تسعة أشياء الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا اليه) ووجه الاستدلال به ظاهر حيث أنه (ص) عد ما لا يعلمون من جملة التسعة المرفوعة فالالزام المجهول مما لا يعلمون فهو مرفوع فعلًا وان كان ثابتاً واقعاً فلا مؤاخذة عليه قطعاً لأنها تابعة للثبوت فعلًا لا واقعاً لا يقال ليست المؤاخذة من الآثار الشرعية كي ترفع بارتفاع التكليف المجهول ظاهراً فلا دلالة له
على ارتفاعها لأنا نقول لا وجه للالتزام بان المرفوع لابد ان يكون حكماً شرعياً بل يكفي فيه ان يكون مما يترتب على الحكم الشرعي وجوداً وعدماً فإذا كان قابلًا للوضع كان قابلًا للرفع والمؤاخذة من الآثار المترتبة على مخالفة الحكم الشرعي فعلًا او تركاً ويصح وضعها فيصح رفعها فالخبر لا مانع من بقائه على ما هو ظاهره من رفع المؤاخذة في جميع الفقرات فانه على نهج واحد. وأما ما يقال في الجواب من انها وان لم تكن أثراً شرعياً إلا انها مما يترتب عليه بتوسيط ما هو أثره وباقتضائه من ايجاب الاحتياط شرعاً فالمؤاخذة انما ترتب على التكليف المجهول المقتضي لأثر شرعي وهو ايجاب الاحتياط بتوسط هذا الأثر فيكون رفعها كناية عن رفع الأثر الذي هو الواسطة وهو ايجاب الاحتياط فالدليل الدال على رفعه أي رفع التكليف المجهول دليل على عدم إيجابه الاحتياط المستتبع لعدم استحقاق العقوبة على مخالفته ففيه ان كون المرفوع هو ذلك صحيح إلا ان الالتزام به لا لعدم صحة رفع المؤاخذة بل لعدم وجه الاختصاص من هذا الرفع بالامة الا ذلك كما ستعرف. لا يقال انه لا يكاد يكون ايجابه أي الاحتياط مستتبعاً لاستحقاقها أي العقوبة على مخالفة التكليف المجهول بل العقوبة حينئذ انما تكون على مخالفته نفسه كما هو قضية ايجاب غيره أي غير الاحتياط من سائر الموضوعات فان العقوبة على مخالفة ذلك الواجب لا على واجب آخر غيره فانه يقال في الجواب هذا مسلم إذا كان وجوب الاحتياط
على حد سائر الواجبات ولم يكن إيجابه طريقياً وإلا فهو موجب لاستحقاق العقوبة على ما كان طريقاً اليه وهو التكليف المجهول لا على الطريق كما هو الحال في غيره أي غير ايجاب الاحتياط من الايجاب والتحريم الطريقيين ضرورة انه كما يصح ان يحتج بهما في الطريق الذي وجب سلوكه كخبر العدل مثلًا وفي الطريق الذي حرم سلوكه كالقياس لأنهما بيان مصحح للعقاب صح ان يحتج به أيضاً لأنه بيان مثلهما ويقال لم أقدمت مع إيجابه ويخرج به أي بايجاب الاحتياط عن العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان كما يخرج بهما. وقد انقدح بذلك ان رفع التكليف المجهول كان منة على الامة حيث كان له تعالى وضعه بما هو قضيته من ايجاب الاحتياط فرفعه مع ذلك امتناناً.
هذا ولابد من تحقيق معنى الرواية كما هو حقه: فاعلم ان العقل مستقل بقبح المؤاخذة على التكليف قبل بيانه كما سيأتي في دليل العقل كما هو مستقل بقبحها على فعل ما اضطر المكلف اليه أو اكره عليه أو كان غير مقدور وخارجاً عن الطاقة أو صدر خطأ أو نسياناً فهذه الفقرات المذكورة في الرواية كالفقرات المذكورة في الآية وهي: [ربّنا لا تُؤاخِذْنا انْ نَسِينا أو أَخطَأنَا رَبَّنَا ولا تَحمِل عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ] لا اختصاص لرفعها بمكلف دون مكلف ولا بأمته دون أمة هذا إذا
تلبست الافعال بهذه العناوين من دون اختيار المكلف أما إذا تلبست باختياره بان قدم مقدمات تقتضي تلبس الفعل بهذا العنوان فان الحكم مرتباً على موضوع دون موضوع فتكون هذه الحالات مبدلة للموضوع الى موضوع آخر كالحاضر والمسافر والطاهر والحائض فلا بأس بذلك ويجري على كل موضوع حكمه مطلقاً وان لم يكن كذلك بل كان عروض هذه الاحوال معنوناً للتكليف في بعض كما لو أراق الاناء قبل الوقت ورافعاً له في آخر كما لو أراقه بعده فلا إشكال في حرمة الثاني وثبوت المؤاخذة عليه كما لا إشكال في الحرمة والمؤاخذة بالنسبة الى بعض اقسام الأول كالمثال المتقدم وفي عدم الحرمة وقبح المؤاخذة بالنسبة الى بعض آخر فمن قصر في المقدمات عمداً حتى نسي الصلوات أو أخطأ في رمي مهدور الدم فاصاب محقونه فلا ينبغي التأمل في عدم شمول حديث الرفع لمثله وفي حسن مؤاخذته فلم يبق للآية والرواية مورد يوجب اختصاص رفع ذلك بهذه الأمة، وقد ذكر شيخنا العلامة المرتضى في توجيه ذلك ما ينافي ما أفاده في دليل العقل بالنسبة الى خصوص فقرة ما لا يعلمون وما لا يلتزم به أحد في باقي الفقرات ما عدا الثلاثة الاخيرة فلاحظ ذلك وتأمل. نعم الذي يقضي به الفكر القاصر في معنى ذلك ان يقال ان المقصود في هذا المقام هو المقصود في قوله تعالى: [علِمَ الله انّكُمْ كُنْتُم تَخْتانُونَ انْفُسَكُم فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ باشِرُوهُنّ] ... الى آخر الآية فان المراد انه لو كلفكم الله تعالى
بعدم مباشرة النساء في ليالي الصوم لشق عليكم ذلك مشقة غير قاضية برفع التكليف وباشرتموها ظلماً لأنفسكم فرفع الله ذلك عنكم تفضلًا ومنة واذن لكم بالمباشرة وأما في المقام فالمقصود إنه لو أوجب الله تعالى عليكم عند احتمال التكليف للاحتياط وأوجب عليكم التحفظ مهما أمكن من الوقوع في اكراه واضطرار أو عدم قدرة أو في خطأ أو نسيان لشق ذلك عليكم واوقعتم انفسكم فيما أمرتم بالتحفظ عن الوقوع فيه وان كنتم لولا ايجاب التحفظ والاحتياط غير مقصرين فمن أجل ذلك رفع الله عنكم هذا الحكم الذي لو شرعه الله تعالى لاستحق كل منكم بتقصيره المؤاخذة فأي منّة أحسن من هذه المنة فالمكلف إذا لم يتحفظ عن الوقوع في الخطأ ولم يقصر فيه ولكن اتفق وقوعه فالعقل مستقل بعدم استحقاقه للمؤاخذة ولا يحكم بايجاب التحفظ عليه كما انه حاكم بحرمة تقصيره بحيث هو يوقع نفسه وبحسن مؤاخذته، نعم لو أوجب الشارع عليه التحفظ والاحتياط فلم يفعل كان مؤاخذاً لا على مخالفته هذا الايجاب بل على مخالفة الواجب والحرام الذي وجب من أجلهما الاحتياط ولكن الشارع تفضل فلم يوجب في هذه الموارد ما يستحق العبد للمؤاخذة معه على مخالفته الواقع لو اتفقت وهذا المعنى للرواية والآية من أحسن المعاني وأجملها فعليك بالتأمل فيه. فتلخص ان رفع هذه المذكورات كناية عن رفع ما يوجب المؤاخذة على مخالفتها وهذا جارٍ في فقراتها التسعة واظهرها في تحقق المشقة لو
شرع هو الثلاثة الاخيرة التي لا يسلم منها أحد فافهم. ثم لا يخفى عليك ان ظاهر الفقرات إتحاد المراد والظاهر ان المراد هو الواجب والحرام الذي لا يعلمون أو الذي اكرهوا عليه أو اضطروا اليه الى آخر الفقرات لكن عدم العلم بالواجب تارة لاشتباه حكمه وأخرى لاشتباه موضوعه وذلك لا ينافي كون المقصود في باقي الفقرات ذات الواجب أو الحرام وفيما لا يعلمون عنوانه ضرورة ان ذلك بما تقضي به نسبة هذه الطواريء اليهما لا أمر زائد فان الاكراه والاضطرار وعدم القدرة إنما تعرض الذات ولا دخل للعنوان فيها بخلاف عدم العلم فانه انما يعرض الذات بما هي عليه من العنوان كما لا يخفى، نعم حمل الموصول فيما لا يعلمون على الحكم خلاف الظاهر جداً لعدم مناسبة باقي الفقرات أولًا ولأن الظاهر ان المؤاخذة المقدرة انما تكون على هذه المذكورات ولا معنى للمؤاخذة على الحرمة وان كانت هي من آثارها اللهم إلا أن يذهب ذاهب الى عدم الحاجة الى تقدير المؤاخذة لا غيرها من الآثار الشرعية فيما لا يعلمون فان ما لا يعلم من التكليف مطلقاً سواء كان في الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع والوضع شرعاً وان كان في غيره من الفقرات لابد من تقدير الآثار كلًا أو بعضاً إذا بني على كون الاسناد حقيقياً أو يجعل ذلك على نحو المجاز في اسناد الرفع اليه فانه ليس ما اضطروا أو ما استكرهوا الى آخر التسعة بمرفوع حقيقة. نعم لو كان المراد من الموصول فيما لا يعلمون ما اشتبه حاله ولم يعلم
عنوانه لكان احد الأمرين من تقدير المؤاخذة وجعل الاسناد حقيقياً أو جعله على نحو المجاز بما لابد منه.
وفيه:
أولًا: ان ذلك منافٍ لما سبق من الحكم بكون المرفوع ايجاب الاحتياط الذي قضى به ظهور الرواية جداً في تساوي الفقرات وان المرفوع هو المؤاخذة وحدها أو مع باقي الآثار وانها ليست أثراً شرعياً قابلًا للرفع.
وثانياً: ان الحكم وان كان بنفسه قابلًا للرفع والوضع إلا ان المقصود هنا ليس رفعه حقيقة واقعاً بل رفعه بمرتبة توجب صحة المؤاخذة وإمكان حكم الشارع بوجوب الاحتياط وظاهر الرواية ان جميع فقراتها مرفوعة ظاهراً وواقعاً وذلك لا يجتمع مع ارادة الحكم والتفصيل بين مرتبتيه خلاف الظاهر وان صح في نفسه. وعلى ما ذكرنا فالرواية في ظاهرها دليل تام على المطلوب وشاملة للشبهتين من دون تكلف في البين. ثم لا يخفى عليك انه لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة من الآثار بعد وضوح ان المقدر في غير واحد من فقرات الحديث غيرها كما ستعرف فلا محيص عن احد أمرين فأما ان يكون للقدر هو الاثر الظاهر في كل منها أو يكون المقدر تمام آثارها لا مطلقاً بل التي يقتضي المنة رفعها كما هو واضح. وقد عرفت ان ما يكون بلحاظ الاسناد ونسبة الرفع اليها مجازاً هو هذا الوجه أعني كون المرفوع هو الاثر مع نسبة الرفع الى ذي الأثر كما