له بشيء ضرورة ان هذا الاقدام أما لغلبة جهة المنفعة على جهة المضرة فيتبعها الحكم وأما لعدم المبالاة كاقدامهم على ما يقطع معه بالعقوبة وهذا مما لا ينبغي ان يخفى على مثله، نعم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ربما يناقش فيه والحق وجوب دفعه فان منا ط حكم العقل هو خوف الوقوع وعدم الامن وهو يجتمع مع الاحوال الثلاثة كما جعل الخوف أيضاً موضوعاً لحكم شرعي كالافطار.
ثانيها: ما ذكره من عدم ملازمة احتمال الحرمة لاحتمال المضرة استناداً الى عدم كون المفاسد من قبيل المضار.
وفيه أولًا ان حكمه بعدم الملازمة يناقض حكمه اخيراً بانه ربما يكون المضرة مناطاً للحكم شرعاً فان جعلها مناطاً ولو في مورد واحد يكفي في تحقق احتمالها حال الجهل بكون المناط من أي قبيل. وثانياً ان ما ذكره في مناطات الاحكام مسلم إلا ان المفاسد أيضاً من قبيل المضار غاية الأمر ان المضار تارة تكون خارجية يدرك العقل جهة ضروريتها وتارة تكون معنونة لا يدرك العقل جهة كونها ضارة فيحتاج الى كشف الشارع عن ذلك فإذا دخلت في موضوع الضرر وجب الدفع عقلًا. وثالثاً سلمنا ان عنوان المفسدة غير عنوان الضرر إلا ان الحكم بعدم وجوب دفع المفسدة مساوق للحكم بمنع الملازمة بين حكم الشارع والعقل في الجهة المتفق عليها بين جميع علماء الاسلام وهي ان كلما حكم به الشرع حكم به العقل لو اطلع عليه
فجعلها من قبيل المفسدة بجعلها أولى بوجوب الدفع وحال ما لا يؤمن مفسدته كحال ما علم، نعم اذن الشارع في الاقتحام يكشف بطريق القطع عن عدم المحذور في الوقوع في تلك المفسدة أما لعدم كونها بحيث يجب التحرز عنها أو لكونها متداركة أو لكون المصلحة الداعية الى الاذن غالبة على تلك المفسدة وعلى جميع التقادير لا يبقى بعد اذنه ملاك للعقل يحكم معه بوجوب الدفع.
ثالثها: ما ذكره من شهادة الوجدان وما عليه عقلاء سائر الملل والاديان فانا راجعنا وجداننا فشهد بالعكس وراجعنا ما عليه العقلاء فوجدناهم كما وجدنا أنفسنا إلا من لا مبالاة له بنفسه من وقوعها في كل ضرر دنيوي أو آخروي يتحمل ذلك كله لبعض الشهوات النفسية الداعية الى ذلك كشارب الخمر مع ظنه انه قد يصدر منه قتل ولده.
رابعها: ما ذكره من الاستدلال على عدم وجوب دفع الضرر المحتمل من ان الشارع اذن به ولا يأذن بقبيح. وفيه انه إنما يشهد على ان ما اذن فيه لا يحتمل فيه الضرر أو المفسدة الواجب دفعها لا على ان ما يحتمل فيه لا يجب دفعه ويجوز ارتكابه وبين المعنيين بعد المشرقين كما هو أوضح من ان يخفى اليه اشارة.
خامسها: ما يظهر منه من تسليم جريان ديدن العقلاء على عدم الاقدام على ما علم إنه مفسدة دون ما علم انه مضرة مع ان كون الاقدام مشتملًا على المفسدة اهون عند العقل والعقلاء من
اشتماله على المضرة بعد فرض تغايرهما بل واجتماع النفع مع المفسدة فكيف يحكم بوجوب دفع هذه دون هذه مع انه انما جعل المضار من قبيل المفاسد تخلصاً من تحقق احتمال الضرر لو سلم وجوب دفعه الى احتمال ما لا يوجب دفعه قطعاً مع ان دفع المفسدة المحتملة بعد الاعتراف بوجوب دفع المتيقنة أولى بالحكم بالوجوب من دفع المضرة المحتملة بعد الاعتراف بحكم العقل بعدم وجوب دفع المتيقنة فتدبر فانه دقيق جداً [ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا] هذا الباب ما ينبغي الاستدلال به على البراءة وقد استدل بآيات وأخبار وأصول كثيرة غير ما ذكرنا ولطول ما فيها من الكلام في النقض والابرام رأينا الاعراض عنها أوقع والاشتغال بغيرها أنفع.
واحتج للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجة على التكليف بالادلة الثلاثة الكتاب والسنة ودليل العقل أما بالكتاب فالآيات الناهية عن القول بغير العلم مثل [أتَقُولُونَ عَلى الله مَا لا تَعْلَمُون] و [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] وغير ذلك وكذا الناهية عن الالقاء للنفس في التهلكة مثل: [ولا تُلْقُوا بايْدِيكُمْ الى التهْلُكَةِ] وكذا الآيات الآمرة بالتقوى مثل [اتّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ] و [فاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] و [وجَاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ] وغير ذلك فان الحكم باباحة محتمل الحرمة قول بغير علم بخلاف تركه لاحتمالها والقاء للنفس في تهلكة العقاب والضرر أو المفسدة في الفعل القاضيين بتحريمه لو صادف الواقع وخلاف تقوى الله حق
تقاته فانها لا تصدق إلا في الاقدام الخالي عن شوائب احتمال الوقوع في مخالفة الأمر والنهي. والجواب ان القول بالاباحة شرعاً استناداً الى ما يقضي بذلك من الشرع وبالأمن من العقوبة عقلًا كذلك ليس قولًا بغير علم لما دل على الاباحة من النقل وعلى البراءة من حكم العقل ومعهما سقط موضوع الحكم في باقي الآيات إذ لا مهلكة حينئذ في اقتحام الشبهة ولا فيه مخالفة للتقوى كما لا يخفى، وأما الأخبار فيما دل على وجوب التوقف عند الشبهة والمراد به السكون وعدم المضي ومعناهما عدم الحركة بارتكاب المشتبه لا التوقف على العمل الذي ليس له محصل ولا التوقف عن الافتاء بالحكم الواقعي الذي اعترف به الفريقان أو بالحكم الظاهري منعاً لدى الأخباري وترخيصاً لدى الاصولي المشترك الورود على الطائفتين وربما كان الأمر بالتوقف معللًا في بعض الأخبار بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة كما في ذيل مقبولة ابن حنضلة وغيرها من الأخبار الكثيرة الدالة عليه مطابقة كالمقبولة وروايات الزهري والسكوني وأبي شيبة وما أشبهها المتضمنة للفظ الوقوف وما يشتق منه أو التزاماً كصحيحة جميل بن دراج المتضمنة للأمر بترك ما خالف كتاب اللّه وغيرها مما لم يتضمن لفظ الوقوف بل ما يدل عليه باللزوم البين بالمعنى الأخص كما لا يخفى، وكذا بما دل على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بالسنة مختلفة تؤدي الى معنى واحد. والجواب ان ملاك التوقف في الجميع إذا كان هو
خوف الوقوع في الهلكة وقفت تمامية الدليل على تحقق احتمالها وقد عرفت انه لا مهلكة في الشبهة البدوية التي هي محل الكلام وانى يحتمل وجودها مع دلالة النقل على الاباحة وحكم العقل بالبراءة كما عرفت وأما ما دل على وجوب الاحتياط لو سلم دلالته فهو وان كان وارداً على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فانه كفى به بياناً للتكليف وحجة على العقوبة التي تستحق على مخالفة التكليف المجهول ولا يصغي الى ما قيل في عدم كفايته لذلك من ان ايجاب الاحتياط ان كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح لما عرفت من استقلال العقل وقبح العقاب عليه فكيف تجب مقدمة يستحيل تحقق ذيها وان كان نفسياً فالعقاب على مخالفته لا على مخالفة الواقع وانما قلنا انه لا يصغي الى ذلك لما عرفت من ان ايجابه لا ينحصر بهذين النحوين بل له نحو ثالث وهو ان يكون طريقياً وهو عقلًا مما يصح ان يكون بياناً ويحتج به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة كما هو الحال في أوامر الطرق والامارات والاصول العملية هذا مضافاً الى أنه لو سلم كونه نفسياً فهو أيضاً مصحح ضرورة ان وجوب الاحتياط في الشبهة حكم ظاهري لا واقعي وقد عرفت مراراً أن الاحكام الظاهرية إذا اصابت نجت الواقع نفسه وترتب على موافقتها ومخالفتها ثوابه وعقابه وانما تتحقق ثمرة الخلاف في كونه عذرياً أو واقعياً ثانوياً في صورة الخطأ، ومضافاً أيضاً الى ان هذا القائل قد حكم بورود هذه الادلة على ادلة البراءة ولا يعقل
لذلك معنى إلا إذا صححت العقوبة على التكليف المجهول لا على مخالفة نفسه لما عرفت من عدم المناسبة حينئذ بين مفاد الدليلين كي يتصف بورود أو حكومة وكيف كان فتصحيحه للعقوبة ووروده على حكم العقل يتم به دليليته على المطلوب إلا ان ذلك مع عدم المعارض للأخبار الدالة عليه ومن الواضح انها تعارض بما هو أخص أو أظهر لو لم يكن أخص، ضرورة ان ما دل على التوقف يشمل كل شبهة وما دل حلية المشتبه أخص لاختصاصه بمجهول الحلية والحرمة فيقدم بل هو في الدلالة على الحلية نص وما دل على الاحتياط غايته انه ظاهر في وجوب الاحتياط وقد تقرر في محله ان الاظهر مقدم على الظاهر فضلًا عن النص هذا مع ان هناك قرائن دالة على عدم كون الأمر بالتوقف مولوياً وبملاك المحبوبية الذاتية في نفسه وانه للارشاد فيختلف ايجاباً واستحباباً حسب اختلاف ما يرشد اليه، ففي مقام يحكم العقل فيه بحسن المؤاخذة على تقدير الاصابة كما في طرفي المعلوم بالاجمال مع اجتماع شروط تأثير العلم أو مقام احتمال التكليف قبل فحص أو بعده قبل اليأس يجب وفي غير ذلك يستحب، ومنه ما نحن فيه ويؤيده انه لو كان للوجوب المولوي ولم يكن للارشاد لكان ذلك يوجب تخصيصه بالاكثر لا محالة لأن التخصيص ببعض الشبهات مما ثبت اجماعاً كالشبهة الموضوعية فانها اكثر أفراداً من الشبهة الحكمية. ولا يجري هنا ما ربما يقال فيما إذا اشتمل العام على صنفين من ان خروج صنف
واحد وبقاء الآخر لا يلزم منه التخصيص بالاكثر بل بالمساوي لان الملحوظ في مدلول العام هو الاصناف لا الافراد ضرورة إنه لو سلم ذلك هناك فهو مختص بما إذا كان عنوان العام ذلك دون ما إذا لم يؤخذ في العام عنوان خاص كما في المقام مع ان من المعلوم لدى ذي الذوق السليم ان سياق ما دل على ذلك آت عن أصل التخصيص فضلًا عن التخصيص بالاكثر فحمله على ما لا يلزم منه ذلك وهو الارشاد أولى قطعاً وكيف لا يكون قوله (ع): (قف عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) للارشاد مع ان لفظ الهلكة في هذه الأخبار ظاهر في العقوبة الآخروية لا في المضار الدنيوية ويستلزم ذلك امكان تحقق العقوبة على مخالفة التكليف المحتمل قبل صدور هذا الخطاب مع ان من البديهي ان لا عقوبة في الشبهة البدوية حتى عند الأخباري قبل ايجاب الوقوف والاحتياط فكيف يعقل ان يعلل إيجابه بأنه خير من الاقتحام في الهلكة ضرورة استلزامه سبق المعلول على علته وتعليل وجود الشيء بما هو معلول لوجوده فقد علل ايجاب الاحتياط بانه مؤمن من الاقتحام في الهلكة مع ان الاقتحام في الهلكة من آثار ايجاب الاحتياط. لا يقال نعم ما ذكرت مسلم ولكنه يستكشف من تعليل ايجاب الاحتياط بذلك يسبق الى الفهم عنه على نحو ألان والانتقال من المعلول الى العلة ان ايجاب الاحتياط من قبل بمعنى ان التكليف ان علم يجب امتثاله وان احتمل وجب من أجل الاحتياط ليصح به العقوبة على المخالفة فإنه
يقال ان أريد من إيجابه قبل ما ذكرنا في تحرير السؤال فهو فاسد جداً ضرورة ان التكليف لا ينجزه ولا يصحح العقوبة عليه الا العلم وان اريد ان الشارع أنشأ مع كل تكليف يعلم ان للمكلف لا يصل اليه بالعلم وجوب الاحتياط ففيه:
أولًا: ان حال وجوب الاحتياط حال التكليف المجهول في ان مجرد إيجابه واقعاً مالم يعلم لا يصحح العقوبة عليه ولا يخرجها عن انها بلا بيان ولا برهان ولو كفى وجوده الواقعي في تصحيح العقوبة لكفى ذلك في التكليف المجهول ولا تبقى حاجة الى هذه المتاعب ويجري ذلك أيضاً بناءاً على الوجه الأول ضرورة تسليم الخصم احتياج كون التكليف مقتضيا لذلك الى كاشف ولا كاشف غير ادلة الاحتياط فإذا امتنع ارادته مما دل على الوقوف والاحتياط فلا محيص عن اختصاص مثله بما يتنجز فيه المشتبه لو كان له وجود واقعاً كالشبهة قبل الفحص مطلقاً او بعده قبل اليأس أو الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي فتأمل جيداً فان لقائل ان يقول ان الاعتراف بظهور لفظ الهلكة في العقوبة ينافي حمله على الارشاد المطلق ويكون بحسب ما يرشد اليه واجباً في الواجب ومستحباً في المستحب ضرورة ان ما عدا الواجب مما يقطع بعدم العقوبة معه فلا معنى لحمله على الارشاد الاستحبابي بالنسبة اليه لعدم تحقق ملاك للاستحباب حينئذ أصلا وحمله على الوجوب خاصة مثبت لمطلوب الخصم لعمومه لمحل النزاع فالوجه عندي حمله مطلقاً على الاستحباب وان أريد من