بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 248

اشتماله على المضرة بعد فرض تغايرهما بل واجتماع النفع مع المفسدة فكيف يحكم بوجوب دفع هذه دون هذه مع انه انما جعل المضار من قبيل المفاسد تخلصاً من تحقق احتمال الضرر لو سلم وجوب دفعه الى احتمال ما لا يوجب دفعه قطعاً مع ان دفع المفسدة المحتملة بعد الاعتراف بوجوب دفع المتيقنة أولى بالحكم بالوجوب من دفع المضرة المحتملة بعد الاعتراف بحكم العقل بعدم وجوب دفع المتيقنة فتدبر فانه دقيق جداً [ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا] هذا الباب ما ينبغي الاستدلال به على البراءة وقد استدل بآيات وأخبار وأصول كثيرة غير ما ذكرنا ولطول ما فيها من الكلام في النقض والابرام رأينا الاعراض عنها أوقع والاشتغال بغيرها أنفع.

واحتج للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجة على التكليف بالادلة الثلاثة الكتاب والسنة ودليل العقل أما بالكتاب فالآيات الناهية عن القول بغير العلم مثل [أتَقُولُونَ عَلى الله مَا لا تَعْلَمُون‌] و [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‌] وغير ذلك وكذا الناهية عن الالقاء للنفس في التهلكة مثل: [ولا تُلْقُوا بايْدِيكُمْ الى التهْلُكَةِ] وكذا الآيات الآمرة بالتقوى مثل [اتّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ‌] و [فاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‌] و [وجَاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ‌] وغير ذلك فان الحكم باباحة محتمل الحرمة قول بغير علم بخلاف تركه لاحتمالها والقاء للنفس في تهلكة العقاب والضرر أو المفسدة في الفعل القاضيين بتحريمه لو صادف الواقع وخلاف تقوى الله حق‌


صفحه 249

تقاته فانها لا تصدق إلا في الاقدام الخالي عن شوائب احتمال الوقوع في مخالفة الأمر والنهي. والجواب ان القول بالاباحة شرعاً استناداً الى ما يقضي بذلك من الشرع وبالأمن من العقوبة عقلًا كذلك ليس قولًا بغير علم لما دل على الاباحة من النقل وعلى البراءة من حكم العقل ومعهما سقط موضوع الحكم في باقي الآيات إذ لا مهلكة حينئذ في اقتحام الشبهة ولا فيه مخالفة للتقوى كما لا يخفى، وأما الأخبار فيما دل على وجوب التوقف عند الشبهة والمراد به السكون وعدم المضي ومعناهما عدم الحركة بارتكاب المشتبه لا التوقف على العمل الذي ليس له محصل ولا التوقف عن الافتاء بالحكم الواقعي الذي اعترف به الفريقان أو بالحكم الظاهري منعاً لدى الأخباري وترخيصاً لدى الاصولي المشترك الورود على الطائفتين وربما كان الأمر بالتوقف معللًا في بعض الأخبار بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة كما في ذيل مقبولة ابن حنضلة وغيرها من الأخبار الكثيرة الدالة عليه مطابقة كالمقبولة وروايات الزهري والسكوني وأبي شيبة وما أشبهها المتضمنة للفظ الوقوف وما يشتق منه أو التزاماً كصحيحة جميل بن دراج المتضمنة للأمر بترك ما خالف كتاب اللّه وغيرها مما لم يتضمن لفظ الوقوف بل ما يدل عليه باللزوم البين بالمعنى الأخص كما لا يخفى، وكذا بما دل على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بالسنة مختلفة تؤدي الى معنى واحد. والجواب ان ملاك التوقف في الجميع إذا كان هو


صفحه 250

خوف الوقوع في الهلكة وقفت تمامية الدليل على تحقق احتمالها وقد عرفت انه لا مهلكة في الشبهة البدوية التي هي محل الكلام وانى يحتمل وجودها مع دلالة النقل على الاباحة وحكم العقل بالبراءة كما عرفت وأما ما دل على وجوب الاحتياط لو سلم دلالته فهو وان كان وارداً على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فانه كفى به بياناً للتكليف وحجة على العقوبة التي تستحق على مخالفة التكليف المجهول ولا يصغي الى ما قيل في عدم كفايته لذلك من ان ايجاب الاحتياط ان كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح لما عرفت من استقلال العقل وقبح العقاب عليه فكيف تجب مقدمة يستحيل تحقق ذيها وان كان نفسياً فالعقاب على مخالفته لا على مخالفة الواقع وانما قلنا انه لا يصغي الى ذلك لما عرفت من ان ايجابه لا ينحصر بهذين النحوين بل له نحو ثالث وهو ان يكون طريقياً وهو عقلًا مما يصح ان يكون بياناً ويحتج به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة كما هو الحال في أوامر الطرق والامارات والاصول العملية هذا مضافاً الى أنه لو سلم كونه نفسياً فهو أيضاً مصحح ضرورة ان وجوب الاحتياط في الشبهة حكم ظاهري لا واقعي وقد عرفت مراراً أن الاحكام الظاهرية إذا اصابت نجت الواقع نفسه وترتب على موافقتها ومخالفتها ثوابه وعقابه وانما تتحقق ثمرة الخلاف في كونه عذرياً أو واقعياً ثانوياً في صورة الخطأ، ومضافاً أيضاً الى ان هذا القائل قد حكم بورود هذه الادلة على ادلة البراءة ولا يعقل‌


صفحه 251

لذلك معنى إلا إذا صححت العقوبة على التكليف المجهول لا على مخالفة نفسه لما عرفت من عدم المناسبة حينئذ بين مفاد الدليلين كي يتصف بورود أو حكومة وكيف كان فتصحيحه للعقوبة ووروده على حكم العقل يتم به دليليته على المطلوب إلا ان ذلك مع عدم المعارض للأخبار الدالة عليه ومن الواضح انها تعارض بما هو أخص أو أظهر لو لم يكن أخص، ضرورة ان ما دل على التوقف يشمل كل شبهة وما دل حلية المشتبه أخص لاختصاصه بمجهول الحلية والحرمة فيقدم بل هو في الدلالة على الحلية نص وما دل على الاحتياط غايته انه ظاهر في وجوب الاحتياط وقد تقرر في محله ان الاظهر مقدم على الظاهر فضلًا عن النص هذا مع ان هناك قرائن دالة على عدم كون الأمر بالتوقف مولوياً وبملاك المحبوبية الذاتية في نفسه وانه للارشاد فيختلف ايجاباً واستحباباً حسب اختلاف ما يرشد اليه، ففي مقام يحكم العقل فيه بحسن المؤاخذة على تقدير الاصابة كما في طرفي المعلوم بالاجمال مع اجتماع شروط تأثير العلم أو مقام احتمال التكليف قبل فحص أو بعده قبل اليأس يجب وفي غير ذلك يستحب، ومنه ما نحن فيه ويؤيده انه لو كان للوجوب المولوي ولم يكن للارشاد لكان ذلك يوجب تخصيصه بالاكثر لا محالة لأن التخصيص ببعض الشبهات مما ثبت اجماعاً كالشبهة الموضوعية فانها اكثر أفراداً من الشبهة الحكمية. ولا يجري هنا ما ربما يقال فيما إذا اشتمل العام على صنفين من ان خروج صنف‌


صفحه 252

واحد وبقاء الآخر لا يلزم منه التخصيص بالاكثر بل بالمساوي لان الملحوظ في مدلول العام هو الاصناف لا الافراد ضرورة إنه لو سلم ذلك هناك فهو مختص بما إذا كان عنوان العام ذلك دون ما إذا لم يؤخذ في العام عنوان خاص كما في المقام مع ان من المعلوم لدى ذي الذوق السليم ان سياق ما دل على ذلك آت عن أصل التخصيص فضلًا عن التخصيص بالاكثر فحمله على ما لا يلزم منه ذلك وهو الارشاد أولى قطعاً وكيف لا يكون قوله (ع): (قف عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) للارشاد مع ان لفظ الهلكة في هذه الأخبار ظاهر في العقوبة الآخروية لا في المضار الدنيوية ويستلزم ذلك امكان تحقق العقوبة على مخالفة التكليف المحتمل قبل صدور هذا الخطاب مع ان من البديهي ان لا عقوبة في الشبهة البدوية حتى عند الأخباري قبل ايجاب الوقوف والاحتياط فكيف يعقل ان يعلل إيجابه بأنه خير من الاقتحام في الهلكة ضرورة استلزامه سبق المعلول على علته وتعليل وجود الشي‌ء بما هو معلول لوجوده فقد علل ايجاب الاحتياط بانه مؤمن من الاقتحام في الهلكة مع ان الاقتحام في الهلكة من آثار ايجاب الاحتياط. لا يقال نعم ما ذكرت مسلم ولكنه يستكشف من تعليل ايجاب الاحتياط بذلك يسبق الى الفهم عنه على نحو ألان والانتقال من المعلول الى العلة ان ايجاب الاحتياط من قبل بمعنى ان التكليف ان علم يجب امتثاله وان احتمل وجب من أجل الاحتياط ليصح به العقوبة على المخالفة فإنه‌


صفحه 253

يقال ان أريد من إيجابه قبل ما ذكرنا في تحرير السؤال فهو فاسد جداً ضرورة ان التكليف لا ينجزه ولا يصحح العقوبة عليه الا العلم وان اريد ان الشارع أنشأ مع كل تكليف يعلم ان للمكلف لا يصل اليه بالعلم وجوب الاحتياط ففيه:

أولًا: ان حال وجوب الاحتياط حال التكليف المجهول في ان مجرد إيجابه واقعاً مالم يعلم لا يصحح العقوبة عليه ولا يخرجها عن انها بلا بيان ولا برهان ولو كفى وجوده الواقعي في تصحيح العقوبة لكفى ذلك في التكليف المجهول ولا تبقى حاجة الى هذه المتاعب ويجري ذلك أيضاً بناءاً على الوجه الأول ضرورة تسليم الخصم احتياج كون التكليف مقتضيا لذلك الى كاشف ولا كاشف غير ادلة الاحتياط فإذا امتنع ارادته مما دل على الوقوف والاحتياط فلا محيص عن اختصاص مثله بما يتنجز فيه المشتبه لو كان له وجود واقعاً كالشبهة قبل الفحص مطلقاً او بعده قبل اليأس أو الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي فتأمل جيداً فان لقائل ان يقول ان الاعتراف بظهور لفظ الهلكة في العقوبة ينافي حمله على الارشاد المطلق ويكون بحسب ما يرشد اليه واجباً في الواجب ومستحباً في المستحب ضرورة ان ما عدا الواجب مما يقطع بعدم العقوبة معه فلا معنى لحمله على الارشاد الاستحبابي بالنسبة اليه لعدم تحقق ملاك للاستحباب حينئذ أصلا وحمله على الوجوب خاصة مثبت لمطلوب الخصم لعمومه لمحل النزاع فالوجه عندي حمله مطلقاً على الاستحباب وان أريد من‌


صفحه 254

الهلكة العقاب، بيان ذلك ان الخبر المعلل للأمر بالوقوف بان من رتع حول الحمى او شك ان يقع فيه ظاهره ان ملاك الأمر بالتوقف ان المعني في كل شبهه على ارتكاب المشتبه ربما يؤدي الى ارتكاب معلوم الحرمة لقهر العادات لاصحابها ويكون المراد من تعليل الأمر بالوقوف بكونه خيراً من الاقتحام في الهلكة كونه خيراً من ارتكاب المشتبه دائما المودي اتفاقاً الى الاقتحام في الهلكة المعلومة وهذا نعم الملاك لاستحباب التوقف كما ان ملاك الحكم بالكراهة في لسان الشارع ذلك كما لا يخفى على من لاحظ الآثار الواردة في ذلك وإذا لوحظت أخبار الباب بأسرها وجمع بينها ولوحظ كل مع الآخر ازداد هذا المعنى ظهورا وهذا الوجه قوة لان كلام أهل الذكر (ع) يفسر بعضه بعضا فتسقط الدلالة على مطلوب المستدل بها بالمرة كما لا يخفى.

وأما العقل فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته لا لمحض الاحتمال فان عدم اقتضاء الاحتمال لذلك من بديهيات العقل بل لان الاحتمال إذا كان طرفا في الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي كان العقاب على مخالفته حسنا لوجود البيان ومن ذلك ما نحن فيه حيث علم بوجود واجبات ومحرمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته مما لم يكن هناك حجة على حكمه ولما كان هذا العلم منجزاً لوجود شرائط التنجيز فيه وقد اشتغلت به الذمة لزم بحكم العقل الاجتناب وعدم الارتكاب مطلقاً تفريغاً


صفحه 255

للذمة بعد اشتغالها ولاخلاف في لزوم الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي الامن بعض الاصحاب والجواب ان العقل وان استقل بذلك إلا انه لا يجري الا إذا إجتمعت شرائط تأثير العلم الاجمالي التي منها ان لا يكون التكليف في أحد الاطراف منجزاً قبل العلم الاجمالي ولم ينحل بسببه العلم الاجمالي الى علم تفصيلي وشك بدوي كما لو وقعت النجاسة في أحد إناءين احدهما معلوم النجاسة والمقام من هذا القبيل فانه قد انحل العلم الاجمالي ههنا فانه كما علم بوجود تكاليف إجمالًا كذلك علم إجمالا بوجود طرق الى تلك التكاليف واصول معتبرة تقوم مقامها عند فقدها وتلك الطرق والاصول مثبته لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعلية المتحققة في موارد المثبتة من الطرق والاصول العملية فيعمل في المعلوم تفصيلًا بما يقضيه العلم التفصيلي وفي المشكوك بما يقتضيه الشك البدوي فسقط العلم الاجمالي الموجب لما ذكر. ان قلت نعم قيام الطرق والاصول على ما في مواردها من التكاليف موجب للانحلال لكنه انما يوجبه إذا لم يكن العلم بها مسبوقاً بالعلم بالواجبات ضرورة انه مع سبق العلم بالواجبات وتنجز التكليف باجتناب الأطراف فاحتمال ان تكون التكاليف المتحققة في موارد الطرق والأصول هي المعلومة بالأجمال لا يرفع يقين التكليف السابق نظير اراقة أحد الإناءين بعد العلم الاجمالي بنجاسة احدهما؟ قلت: ما ذكرته في أثر السبق مسلم إلا