تقاته فانها لا تصدق إلا في الاقدام الخالي عن شوائب احتمال الوقوع في مخالفة الأمر والنهي. والجواب ان القول بالاباحة شرعاً استناداً الى ما يقضي بذلك من الشرع وبالأمن من العقوبة عقلًا كذلك ليس قولًا بغير علم لما دل على الاباحة من النقل وعلى البراءة من حكم العقل ومعهما سقط موضوع الحكم في باقي الآيات إذ لا مهلكة حينئذ في اقتحام الشبهة ولا فيه مخالفة للتقوى كما لا يخفى، وأما الأخبار فيما دل على وجوب التوقف عند الشبهة والمراد به السكون وعدم المضي ومعناهما عدم الحركة بارتكاب المشتبه لا التوقف على العمل الذي ليس له محصل ولا التوقف عن الافتاء بالحكم الواقعي الذي اعترف به الفريقان أو بالحكم الظاهري منعاً لدى الأخباري وترخيصاً لدى الاصولي المشترك الورود على الطائفتين وربما كان الأمر بالتوقف معللًا في بعض الأخبار بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة كما في ذيل مقبولة ابن حنضلة وغيرها من الأخبار الكثيرة الدالة عليه مطابقة كالمقبولة وروايات الزهري والسكوني وأبي شيبة وما أشبهها المتضمنة للفظ الوقوف وما يشتق منه أو التزاماً كصحيحة جميل بن دراج المتضمنة للأمر بترك ما خالف كتاب اللّه وغيرها مما لم يتضمن لفظ الوقوف بل ما يدل عليه باللزوم البين بالمعنى الأخص كما لا يخفى، وكذا بما دل على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بالسنة مختلفة تؤدي الى معنى واحد. والجواب ان ملاك التوقف في الجميع إذا كان هو
خوف الوقوع في الهلكة وقفت تمامية الدليل على تحقق احتمالها وقد عرفت انه لا مهلكة في الشبهة البدوية التي هي محل الكلام وانى يحتمل وجودها مع دلالة النقل على الاباحة وحكم العقل بالبراءة كما عرفت وأما ما دل على وجوب الاحتياط لو سلم دلالته فهو وان كان وارداً على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فانه كفى به بياناً للتكليف وحجة على العقوبة التي تستحق على مخالفة التكليف المجهول ولا يصغي الى ما قيل في عدم كفايته لذلك من ان ايجاب الاحتياط ان كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح لما عرفت من استقلال العقل وقبح العقاب عليه فكيف تجب مقدمة يستحيل تحقق ذيها وان كان نفسياً فالعقاب على مخالفته لا على مخالفة الواقع وانما قلنا انه لا يصغي الى ذلك لما عرفت من ان ايجابه لا ينحصر بهذين النحوين بل له نحو ثالث وهو ان يكون طريقياً وهو عقلًا مما يصح ان يكون بياناً ويحتج به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة كما هو الحال في أوامر الطرق والامارات والاصول العملية هذا مضافاً الى أنه لو سلم كونه نفسياً فهو أيضاً مصحح ضرورة ان وجوب الاحتياط في الشبهة حكم ظاهري لا واقعي وقد عرفت مراراً أن الاحكام الظاهرية إذا اصابت نجت الواقع نفسه وترتب على موافقتها ومخالفتها ثوابه وعقابه وانما تتحقق ثمرة الخلاف في كونه عذرياً أو واقعياً ثانوياً في صورة الخطأ، ومضافاً أيضاً الى ان هذا القائل قد حكم بورود هذه الادلة على ادلة البراءة ولا يعقل
لذلك معنى إلا إذا صححت العقوبة على التكليف المجهول لا على مخالفة نفسه لما عرفت من عدم المناسبة حينئذ بين مفاد الدليلين كي يتصف بورود أو حكومة وكيف كان فتصحيحه للعقوبة ووروده على حكم العقل يتم به دليليته على المطلوب إلا ان ذلك مع عدم المعارض للأخبار الدالة عليه ومن الواضح انها تعارض بما هو أخص أو أظهر لو لم يكن أخص، ضرورة ان ما دل على التوقف يشمل كل شبهة وما دل حلية المشتبه أخص لاختصاصه بمجهول الحلية والحرمة فيقدم بل هو في الدلالة على الحلية نص وما دل على الاحتياط غايته انه ظاهر في وجوب الاحتياط وقد تقرر في محله ان الاظهر مقدم على الظاهر فضلًا عن النص هذا مع ان هناك قرائن دالة على عدم كون الأمر بالتوقف مولوياً وبملاك المحبوبية الذاتية في نفسه وانه للارشاد فيختلف ايجاباً واستحباباً حسب اختلاف ما يرشد اليه، ففي مقام يحكم العقل فيه بحسن المؤاخذة على تقدير الاصابة كما في طرفي المعلوم بالاجمال مع اجتماع شروط تأثير العلم أو مقام احتمال التكليف قبل فحص أو بعده قبل اليأس يجب وفي غير ذلك يستحب، ومنه ما نحن فيه ويؤيده انه لو كان للوجوب المولوي ولم يكن للارشاد لكان ذلك يوجب تخصيصه بالاكثر لا محالة لأن التخصيص ببعض الشبهات مما ثبت اجماعاً كالشبهة الموضوعية فانها اكثر أفراداً من الشبهة الحكمية. ولا يجري هنا ما ربما يقال فيما إذا اشتمل العام على صنفين من ان خروج صنف
واحد وبقاء الآخر لا يلزم منه التخصيص بالاكثر بل بالمساوي لان الملحوظ في مدلول العام هو الاصناف لا الافراد ضرورة إنه لو سلم ذلك هناك فهو مختص بما إذا كان عنوان العام ذلك دون ما إذا لم يؤخذ في العام عنوان خاص كما في المقام مع ان من المعلوم لدى ذي الذوق السليم ان سياق ما دل على ذلك آت عن أصل التخصيص فضلًا عن التخصيص بالاكثر فحمله على ما لا يلزم منه ذلك وهو الارشاد أولى قطعاً وكيف لا يكون قوله (ع): (قف عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) للارشاد مع ان لفظ الهلكة في هذه الأخبار ظاهر في العقوبة الآخروية لا في المضار الدنيوية ويستلزم ذلك امكان تحقق العقوبة على مخالفة التكليف المحتمل قبل صدور هذا الخطاب مع ان من البديهي ان لا عقوبة في الشبهة البدوية حتى عند الأخباري قبل ايجاب الوقوف والاحتياط فكيف يعقل ان يعلل إيجابه بأنه خير من الاقتحام في الهلكة ضرورة استلزامه سبق المعلول على علته وتعليل وجود الشيء بما هو معلول لوجوده فقد علل ايجاب الاحتياط بانه مؤمن من الاقتحام في الهلكة مع ان الاقتحام في الهلكة من آثار ايجاب الاحتياط. لا يقال نعم ما ذكرت مسلم ولكنه يستكشف من تعليل ايجاب الاحتياط بذلك يسبق الى الفهم عنه على نحو ألان والانتقال من المعلول الى العلة ان ايجاب الاحتياط من قبل بمعنى ان التكليف ان علم يجب امتثاله وان احتمل وجب من أجل الاحتياط ليصح به العقوبة على المخالفة فإنه
يقال ان أريد من إيجابه قبل ما ذكرنا في تحرير السؤال فهو فاسد جداً ضرورة ان التكليف لا ينجزه ولا يصحح العقوبة عليه الا العلم وان اريد ان الشارع أنشأ مع كل تكليف يعلم ان للمكلف لا يصل اليه بالعلم وجوب الاحتياط ففيه:
أولًا: ان حال وجوب الاحتياط حال التكليف المجهول في ان مجرد إيجابه واقعاً مالم يعلم لا يصحح العقوبة عليه ولا يخرجها عن انها بلا بيان ولا برهان ولو كفى وجوده الواقعي في تصحيح العقوبة لكفى ذلك في التكليف المجهول ولا تبقى حاجة الى هذه المتاعب ويجري ذلك أيضاً بناءاً على الوجه الأول ضرورة تسليم الخصم احتياج كون التكليف مقتضيا لذلك الى كاشف ولا كاشف غير ادلة الاحتياط فإذا امتنع ارادته مما دل على الوقوف والاحتياط فلا محيص عن اختصاص مثله بما يتنجز فيه المشتبه لو كان له وجود واقعاً كالشبهة قبل الفحص مطلقاً او بعده قبل اليأس أو الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي فتأمل جيداً فان لقائل ان يقول ان الاعتراف بظهور لفظ الهلكة في العقوبة ينافي حمله على الارشاد المطلق ويكون بحسب ما يرشد اليه واجباً في الواجب ومستحباً في المستحب ضرورة ان ما عدا الواجب مما يقطع بعدم العقوبة معه فلا معنى لحمله على الارشاد الاستحبابي بالنسبة اليه لعدم تحقق ملاك للاستحباب حينئذ أصلا وحمله على الوجوب خاصة مثبت لمطلوب الخصم لعمومه لمحل النزاع فالوجه عندي حمله مطلقاً على الاستحباب وان أريد من
الهلكة العقاب، بيان ذلك ان الخبر المعلل للأمر بالوقوف بان من رتع حول الحمى او شك ان يقع فيه ظاهره ان ملاك الأمر بالتوقف ان المعني في كل شبهه على ارتكاب المشتبه ربما يؤدي الى ارتكاب معلوم الحرمة لقهر العادات لاصحابها ويكون المراد من تعليل الأمر بالوقوف بكونه خيراً من الاقتحام في الهلكة كونه خيراً من ارتكاب المشتبه دائما المودي اتفاقاً الى الاقتحام في الهلكة المعلومة وهذا نعم الملاك لاستحباب التوقف كما ان ملاك الحكم بالكراهة في لسان الشارع ذلك كما لا يخفى على من لاحظ الآثار الواردة في ذلك وإذا لوحظت أخبار الباب بأسرها وجمع بينها ولوحظ كل مع الآخر ازداد هذا المعنى ظهورا وهذا الوجه قوة لان كلام أهل الذكر (ع) يفسر بعضه بعضا فتسقط الدلالة على مطلوب المستدل بها بالمرة كما لا يخفى.
وأما العقل فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته لا لمحض الاحتمال فان عدم اقتضاء الاحتمال لذلك من بديهيات العقل بل لان الاحتمال إذا كان طرفا في الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي كان العقاب على مخالفته حسنا لوجود البيان ومن ذلك ما نحن فيه حيث علم بوجود واجبات ومحرمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته مما لم يكن هناك حجة على حكمه ولما كان هذا العلم منجزاً لوجود شرائط التنجيز فيه وقد اشتغلت به الذمة لزم بحكم العقل الاجتناب وعدم الارتكاب مطلقاً تفريغاً
للذمة بعد اشتغالها ولاخلاف في لزوم الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي الامن بعض الاصحاب والجواب ان العقل وان استقل بذلك إلا انه لا يجري الا إذا إجتمعت شرائط تأثير العلم الاجمالي التي منها ان لا يكون التكليف في أحد الاطراف منجزاً قبل العلم الاجمالي ولم ينحل بسببه العلم الاجمالي الى علم تفصيلي وشك بدوي كما لو وقعت النجاسة في أحد إناءين احدهما معلوم النجاسة والمقام من هذا القبيل فانه قد انحل العلم الاجمالي ههنا فانه كما علم بوجود تكاليف إجمالًا كذلك علم إجمالا بوجود طرق الى تلك التكاليف واصول معتبرة تقوم مقامها عند فقدها وتلك الطرق والاصول مثبته لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعلية المتحققة في موارد المثبتة من الطرق والاصول العملية فيعمل في المعلوم تفصيلًا بما يقضيه العلم التفصيلي وفي المشكوك بما يقتضيه الشك البدوي فسقط العلم الاجمالي الموجب لما ذكر. ان قلت نعم قيام الطرق والاصول على ما في مواردها من التكاليف موجب للانحلال لكنه انما يوجبه إذا لم يكن العلم بها مسبوقاً بالعلم بالواجبات ضرورة انه مع سبق العلم بالواجبات وتنجز التكليف باجتناب الأطراف فاحتمال ان تكون التكاليف المتحققة في موارد الطرق والأصول هي المعلومة بالأجمال لا يرفع يقين التكليف السابق نظير اراقة أحد الإناءين بعد العلم الاجمالي بنجاسة احدهما؟ قلت: ما ذكرته في أثر السبق مسلم إلا
انه انما يضر السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثاً غير معلوم الانطباق على المعلوم السابق نظير ما لو حدث الاضطرار الى أحد الإناءين بعد العلم وأما إذا لم يكن كذلك بل كان مما ينطبق عليه ما علم أولًا فلا محالة قد انحل العلم الاجمالي الى علم تفصيلي وشك بدوي نظير ما لو انكشف بعد العلم الاجمالي بنجاسة أحد الإناءين حصول الاضطرار الى احدهما قبل العلم فانه موجب للانحلال قطعاً ان قلت ان من الواضح المعلوم ان الانحلال فرع انطباق مؤديات الطرق على المعلوم بالاجمال وانما يوجب العلم بالحكم الثابت بقيام الطرق والاصول المثبتة له على نحو يكون ما ثبت به من الاحكام بمقدار المعلوم بالاجمال تحقق انحلال ذلك العلم الاجمالي إذا كان قضية قيام الطريق على تكليف موجباً لثبوته فعلًا اصاب او أخطأ فيوازن ما ثبت به مع ما علم اجمالًا وأما بناء على ان قضية نصب الطريق وحجيته واعتباره شرعا ليس الا جعل حكم وضعي وهو محض الحجية والطريقية تنزيلًا للطريق الشرعي الناقص الطريقية في نفسه منزلة الطريق العقلي التام الطريقية في نفسه المستوجب ذلك الجعل لزوم ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا من الأثر المترتب عليه وهو تنجز ما اصابه والعذر للمكلف عما أخطأ عنه فلا انحلال لما علم بالاجمال أولًا قطعاً لعدم العلم حينئذ بثبوت تكليف واحد بقيام الطرق مع احتمال خطأها كما لا يخفى؟ قلت قد اجاب صاحب الكفاية عن ذلك قائلا ان قضية الاعتبار والجعل شرعاً على اختلاف