بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 257

ألسنة ادلته واتحاد المراد بها وان كان هو ذلك لقضاء قوله (ع): (فانهم حجتي عليكم) وما أشبهه به على ماقويناه في البحث وتقدم تحققه في حجية الظن إلا ان نهوض الحجة المجعولة على ما ينطبق عليه المعلوم بالاجمال في بعض الاطراف يكون عقلًا بحكم الانحلال وان لم يكن انحلالًا حقيقياً لا لبقاء العلم الاجمالي بل لعدم معلوم آخر يكون بمقدار المعلوم الأول وينطبق عليه ولابد حينئذ من صرف تنجزه الى ما إذا كان في ذاك الطرف وصرف العذر عما إذا كان في سائر الاطراف. توضيح ذلك انا لما علمنا اجمالًا بوجود واجبات ومحرمات كثيرة وكان مورد شك في وجوبه أو حرمته طرفا لهذا العلم فمع قطع النظر عن شي‌ء آخر يجب الاحتياط عقلًا في كل مورد مشكوك من تلك الموارد فلو علمنا تفصيلًا وجوب مقدار وحرمة مقدار من تلك الموارد المشكوكة ثابتين من أول الأمر قبل حدوث العلم فلا ريب في انحلال ذلك العلم الى علم تفصيلي وشك بدوي أما لو قامت الحجة على ثبوت ذلك المقدار وكانت منجزة في صورة الاصابة وعذراً في صورة الخطأ كان المقدار الثابت بقيام الحجة المطابق للمعلوم الاجمالي موجباً لعدم المحذور في جريان البراءة في غير تلك الموارد لأن العلم الاجمالي وان لم ينحل حقيقة إلا أنه قد انحل حكماً لما عرفت من ان معنى الجعل ترتيب ما للطريق المعتبر على الطريق المجعول وقد كان من آثار الطريق المعتبر إنحلال ذلك العلم فيرتب هذا الاثر حكماً على ما قام مقامه ويقضي ذلك‌


صفحه 258

بصرف موارد التنجز الى المقدار المعلوم بالاجمال وموارد العذر الى غيرها مثلًا إذا علم اجمالًا بحرمة اناء زيد بين الإناءين وقامت البينة على ان هذا الاناء المعين اناءه فلا ينبغي الشك في عدم تأثير العلم الاجمالي وجوب اجتناب الطرفين معاً وانه يكون حكماً كما لو علم انه اناءه في عدم وجوب الاجتناب إلا عن خصوصه دون الآخر مع ان العلم لم ينحل حقيقة إلا إذا علم أناء زيد أو علم حرمة اناء خاص قبل العلم وما نحن فيه من هذا القبيل فإنا قد علمنا بواجبات ومحرمات اجمالًا فيجب مراعاة ذلك في كل مورد مشكوك الوجوب أو الحرمة ثم قام الطريق على ان فعل كذا واجب وفعل كذا حرام فلا ينبغي الشك في اجراء حكم العلم عليه وان لم ينحل العلم حقيقة فإذا كانت الموارد المشكوكة الفاً وكان مقدار المعلوم الاجمالي مائة وقام الطريق على وجوب مقدار وحرمة آخر يساويان مثلًا تلك الموارد المشكوكة وهي الألف صرف موارد تنجز التكليف بقيام الحجة الى ذلك المقدار المعلوم وموارد العذر الى غيره من سائر الاطراف فكما لو علم ذلك المقدار لا يبقى محذور في اجراء البراءة في غيره، كذلك ما قام عليه الطريق وقد صار المطلب في غاية الوضوح والأولى ان يقال ان العلم الاجمالي انما يؤثر إذا لم يكن في أحد أطرافه تكليف سابق عليه ولو من جهة أخرى كما إذا وقعت نجاسة في أحد إناءين يعلم بغصبيته احدهما الخاص فان هذا العلم بالنسبة الى الطهارة من ذلك الإناء لا يؤثر لأن المغصوب واجب‌


صفحه 259

الاجتناب قبل العلم فلو كانت النجاسة قد وقعت فيه لم تحدث حرمة جديدة قطعاً لاجتماع الامثال وان الشي‌ء إذا حرم من جهة حرم من سائر الجهات ففي المقام لما قامت الحجة على وجوب شي‌ء وحرمة آخر من أول الأمر وقبل العلم كان العلم الاجمالي بوجود التكاليف بين اطراف كانت موارد قيام الحجة فيها بمقدار المعلوم بالاجمال فلا تأثير لذلك العلم قطعاً لوجوب إتيان ما قامت الحجة على وجوبه وترك ما قامت على حرمته قبل العلم سواء كان هذا الحكم واقعياً نجزه الطريق بالاصابة أم صورياً لخطأ الطريق الواقع ضرورة ان ذلك لا يرفع وجوب الإتيان وحرمة الفعل فعلًا في مرحلة الظاهر وذلك كافٍ في دفع أثر العلم قطعاً وبالجملة فوجود تكليف سابق على العلم في أحد اطرافه مانع من تأثيره واقعياً أو ظاهرياً حقيقياً أو صورياً متحداً بحسب الجهة أو مختلفاً لوحدة المناط في الجميع ولولا ذلك لما كان يجدي نفعاً في انحلال العلم ورفع تأثيره القول بان قضية اعتبار الامارات هو كون المؤديات احكاماً شرعية حقيقية فعلية ضرورة ان ذلك انما ينفع إذا كانت قبل العلم ومن المعلوم انها انما تكون كذلك بسبب حادث وهي كونها موديان لامارات شرعية ولا يعقل تحقق مسبب قديم بسبب حادث فلا تزيل أثر العلم. نعم لما كان المناط على ما ذكرنا تحقق تكليف قبل العلم كان قيامها كافياً لأنها تعطي وجوب الإتيان وحرمة الترك قبل العلم وان كان قيامها حادثاً. هذا كله إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعية


صفحه 260

في موارد الطرق المثبتة لمقدار يكون بمقدار المعلوم بالاجمال وان علم انها انما نصبت طرقاً الى التكاليف الواقعية اذ لا يوجب ذلك العلم باصابتها ولو اجمالًا وإلا فلو علم ثبوت التكاليف الواقعية في مواردها بالمقدار المعلوم اجمالًا وان لم تتميز موارد الاصابة من غيرها فالانحلال الى العلم بما في الموارد وانحصار اطرافه بموارد تلك الطرق محقق بلا اشكال كما لا يخفى.

هذا وربما استدل للاحتياط من طريق العقل بنحو آخر وهو الاستدلال بما قيل من استقلال العقل بالحظر والحرمة في الافعال غير الضرورية التي اباحتها الضرورة وذلك قبل الشرع حيث يثبت الاباحة ولو لم يستقل بذلك لا أقل من الوقف وعدم استقلاله بكل من الطرفين لابه أي بالحظر ولا بالاباحة فالحرمة قد ثبتت بيقين ولم يثبت شرعاً اباحة ما اشتبه حرمته فان ما دل على الاباحة مما تقدم معارض بما دل على وجوب التوقف والاحتياط فيتساقطان وتبقى الحرمة بلا مزاحم. وفيه عند صاحب الكفاية (قدس سره) نظر من وجوه:

أما أولًا: فهو انه لا وجه للاستدلال بدعوى استقلال العقل بالحكم بما هو محل الخلاف والاشكال وإلا لصح النقض على هذا المستدل والاستدلال على البراءة بما قيل من استقلال العقل بالطرف الآخر وهو كون تلك لافعال على الاباحة حتى يثبت الحظر.

وأما ثانياً: فلما عرفت من انه تثبت الاباحة شرعاً المخرجة له‌


صفحه 261

عن الحظر لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط للمعارضة لما دل عليها.

وأما ثالثاً: فبالفرق بين المسألتين وانه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة القول بالوقف هنا ولا للقول بالاحتياط في هذه المسألة ملازمة للقول بالوقف هناك ضرورة ان ملاك تلك المسألة هو جواز الاقدام على ما لا تؤمن فيه المفسدة وعدم جوازه مع قطع النظر عن حكم الشرع ولذا قيد عنوانها بما قبل الشرع. نعم ورود الاباحة من الشارع رافع لحكم العقل لارتفاع موضوعه بها والملاك في هذه المسألة قبح العقاب بلا بيان فلا مانع من الجمع بين القول باقتضاء تلك القاعدة للوقف قبل الشرع واقتضاء هذه القاعدة للاباحة بعده ولذا ان السيد أبا المكارم مع جزمه بتلك القاعدة هناك جزم بالاباحة هنا تعويلًا على قاعدة اللطف وانه لو كان هناك مفسدة لوجب على الحكيم بيانها فصح نفي الملازمة بين القولين لاحتمال ان يقال بالوقف ويحكم معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وأما ما قيل من ان الاقدام على ما لا يومن المفسدة فيه كالاقدام على ما تعلم فيه المفسدة فهو ممنوع ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل لعدم احراز العقل موضوع وجوب الدفع فان المفسدة المحتملة في المشتبه ليس مثلها بضرر غالباً لما عرفت سابقاً من ضرورة ان المصالح والمفاسد التي تكون مناطات الاحكام ليست براجعة الى المنافع والمضار بل ربما انعكس الأمر ويكون تمام المصلحة فيما فيه الضرر مالياً كان‌


صفحه 262

كدفع الحقوق أو بدنيا كالجهاد مثلًا وتمام المفسدة فيما فيه النفع كأكل مال اليتيم ووطأ المعشوقة وما أشبه ذلك واحتمال ان يكون في المشتبه ضرر وان امكن إلا انه ضعيف غالباً لا يعتنى به عند العقلاء قطعاً مع ان الضرر ليس دائماً مما يجب التحرز عنه عقلًا بل قد يجب ارتكابه احياناً فيما كان المترتب عليه أهم في نظره مما في الاحتراز عن ضرره هذا مع القطع به فضلًا عن احتماله هذا غاية ما أفاده المصنف في الجواب عن الوجه الثاني في تقرير دليل العقل وفي كلامه (قدس سره) مواقع للتأمل:

الأول‌: ما ذكره من انه لو جاز الاستدلال بما ذهبوا اليه اصالة الحظر على الاحتياط هنا لجاز الاستدلال بما ذهبوا اليه من أصالة الاباحة على البراءة هنا وفيه انه قياس مع الفارق فان القول بالاباحة لعدم حكم العقل بالاحجام عما تخاف مفسدته لا ربط له بالحكم بالبراءة عما تخشى عقوبته ضرورة ان أكثر المحرمات لو لم يكن كلها مما لم يتضح للعقل جهات المفسدة فيها ولذا احتاج في الحكم بالبراءة الى قاعدة قبح العقاب بلا بيان بخلاف القول بالحظر لحكم العقل بعدم جواز الاقدام على ما لا تؤمن مفسدته فانه بنفسه مع قطع النظر عن غيره كافٍ في الحكم بالاحتياط من غير حاجة الى ملاك آخر كما لا يخفى.

الثاني‌: ما ذكره من عدم استلزام القول بالوقف في تلك المسألة للقول بالاحتياط في هذه المسألة فإن أراد امكان ان يقال بالوقف‌


صفحه 263

وبالبراءة معاً كما هو صريح كلامه ففيه ما لا يخفى عليك ضرورة ان حكم العقل بلزوم الاحجام عن محتملها هو يكون بياناً ولذا اعترف (قدس سره) سابقاً في دليل العقل بذلك حيث استدل الخصم باحتمال الضرر. وأجاب هو أولًا بعدم وجوب دفع الضرر الدنيوي وثانياً بأنه لا احتمال للضرر وانما المحتمل هو المفسدة ولا نسلم استقلال العقل بلزوم دفع محتملها فان ظاهره لو لم يكن صريحه تسليم تمامية مطلب المستدل لو سلم استقلال العقل بدفعها فبين كلاميه تدافع واضح. وان أراد امكان القول بعدم جواز الاقدام على محتمل المفسدة من حيث هو مع القول بالبراءة كما اجتمع ذلك مع القول بالاباحة لقاعدة اللطف على ما جزم به السيد أبو المكارم فهذا ليس جمعاً بين القولين ولا بين الملاكين ولا رافعاً للملازمة ضرورة انه مع النظر الى قاعدة اللطف القاضية بالاباحة فلا قول بالوقف لعدم ملاكه ومع القول بالوقف بلحاظ ملاكه فلا قول بالبراءة لأنه بيان مزيل لملاكها ولا بالاباحية فمنافاته للحكم بالوقف وانما مراد السيد أبي المكارم ان احتمال المفسدة يجب دفعه لولا ورود قاعدة اللطف عليه فليس معنى جزمه بهما قوله بتحققهما فعلًا. ولعمري انه أوضح من ان يخفى. وكأن صاحب الكفاية (قدس سره) اخذ ذلك من شيخنا العلامة حيث قال بعد نقل استدلال الشيخ في العدة على أصالة الحظر بان الاقدام على الخ ما هذا نصه وجزم بهذه القضية السيد أبو المكارم في الغنية وان قال بالاباحة كالسيد المرتضى تعويلًا على قاعدة اللطف وهي انه لو كان في الفعل مفسدة لوجب على الحكيم بيانها- انتهى.


صفحه 264

وانت خبير بان معنى ذلك امكان الجزم بقاعدة الاقدام على محتمل المفسدة من حيث انه محتمل المفسدة مع الجزم بارتفاع موضوع حكم العقل بالنظر الى قاعدة اللطف لا ان المعنى جواز القول فعلًا بالوقف والاباحة.

الثالث‌: ما ذكره من ان المفسدة لا يجب دفع المقطوع منها فضلًا عن المحتمل لعدم كونها من سنخ الضرر لو قلنا بوجوب دفعه. وفيه ما عرفته سابقاً من انها من سنخه أولًا وان الحكم بجواز ارتكاب ما اشتمل عليها مساوق لمنع حكم العقل بالملازمة بين ما حكم به الشرع وما حكم به العقل من الجانب الذي اتفقوا بأجمعهم على الملازمة فيه ثانياً.

الرابع‌: ما ذكره من انه قد يجب ارتكاب الضرر لمقطوع إذا عارضه ما هو أهم. وفيه انه لا دخل له بالمقام اذ المقصود ان الضرر المحتمل بما هو ضرر محتمل والمقطوع بما هو كذلك يجب عقلًا دفعه، وهذه قضية صادقة في نفسها وان كانت في مورد يكون الاقدام المضر لهذا الشخص مما ينفع في استقامة نظام الدين زائلة المحمول لزوال الموضوع حكماً أو لعدم دخول مثله في موضوع حكمه كما لا يخفى. بقى في المسألة أمور مهمة لا بأس بالاشارة اليها بل لابد من التنبيه عليها:

الأول‌: لا يخفى عليك انه كما ان أصالة البراءة متأخرة مرتبة عن الأدلة الاجتهادية فلا تجري مع وجودها مخالفة أو موافقة كذلك‌