ما ذكرنا من جريان البراءة النقلية ذلك الواجب لو أتى به مع الزيادة عمداً لكن لا مطلقاً بل إذا كان تشريعاً أو جهلًا مطلقاً سواء كان قصوراً أم تقصيراً أم سهواً وان استقل العقل لولا النقل بلزوم الاحتياط لقاعدة الاشتغال كذا أفاد (قدس سره) وفيه ما عرفت من انه لا مورد عنده لافتراق النقلية عن العقلية وان الحكم يتبع فعلية التكليف المعلوم فلا يجريان معاً وعدمها فيجريان كذلك.
نعم هو على ما ذكرناه لا بأس به وضابط الصحة في المقام وامتثاله وعدمها تحقق قصد الامتثال وعدمه فلو كان الداعي الى الاتيان بالواجب أمره ليس غير صح وان ادخل فيه الجزء الذي ليس منه بقصد التشريع اشتباهاً في التطبيق وكذا لو كان الواجب عبادة وأتي به كذلك أعني مع الزيادة عمداً على جهة التشريع إلا ان قصده على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما كان الواجب مما يدعوا المكلف اليه أي الى الاتيان به وجوبه لكان باطلًا قطعاً اما مطلقاً أو في صورة انكشاف عدم دخله فيه لعدم تصور الامتثال في هذه الصورة المحقق للصحة كما في الصورة الأولى هذا مع انكشاف الحال لكن مع استقلال العقل أيضاً بلزوم الاعادة مع اشتباه الحال وعدم معرفة ان له دخلًا في الواجب أولًا وذلك لقاعدة الاشتغال واما لو أتى به على نحو يدعوه اليه وجوب ذلك الواجب على أي حال وهي الصورة الأولى كما عرفت كان ما أتى به صحيحاً وان كان المكلف مشرعاً في دخله وادخاله الزائد فيه بنحو من الانحاء مع عدم علمه
بدخله ودخوله في الواجب فان التشريع ادخال ما لم يعلم انه من الدين في الدين فان تشريعه إنما هو في تطبيق المأتي به مع المأمور به وهو لا ينافي قصده الامتثال والتقرب به على كل حال ثم انه ربما تمسك لصحة ما أتى به مع الزيادة باستصحاب الصحة وهو لا يخلو من كلام ونقض وابرام خارج عما هو المهم في المقام ويأتي تحقيقه في مبحث الاستصحاب انشاء الله تعالى.
الأمر الرابع (قاعدة الميسور لا يترك بالمعسور):لا يخفى عليك ان حديث الرفع والحجب وما اشبهها إنما وردت في مورد الامتنان فلا يرتفع بها الا ما كان برفعه امتناناً على المكلف ومنه يعلم انه لو علم بجزئية شيء أو شرطيته في الجملة ودار الامر بين ان يكون جزءاً أو شرطاً مطلقاً حتى في حال العجز عنه وأن يكون جزءاً أو شرطاً في خصوص حال التمكن منه فيسقط الأمر بعدم القدرة على الاتيان بذلك الجزء وبالعجز عنه على الأول وهو الجزئية أو الشرطية مطلقاً لان عدم القدرة على الجزء أو الشرط موجب لعدم القدرة حينئذ على المأمور به نفسه ولا يسقط على الثاني ومع عدم السقوط فيبقى معلقاً على الباقي فإذا تحقق الدوران بين هذين النحوين ولم يكن هناك ما يعين أحد الأمرين من الأدلة الاجتهادية مثل اطلاق دليل اعتباره جزءاً أو شرطاً الموجب لتعين النحو الأول او اطلاق دليل المأمور به مع اجمال دليل اعتباره أي اعتبار الجزء أو الشرط أو
إهماله الموجب لتعيين النحو الثاني ضرورة ان الاجمال أو الاهمال يوجبان الاقتصار في تقييده على القدر المتيقن وهو حال التمكن ويبقى اطلاق المأمور به على حاله في حال العجز فلو لم ينفع الحديث الرفع لاستقل العقل بالبراءة عن الباقي فإن العقاب على تركه بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان لا يقال.
نعم العقل مستقل بذلك ولكن قضية مثل حديث الرفع عدم الجزئية أو الشرطية إلا في حال التمكن منه فهو يفيد البراءة عن التكليف بما يشتمل على ذلك الجزء ويكون نافعاً فإنه يقال انه لو جرى في المقام كان على عكس المطلوب أدل ضرورة انه إذا أفاد البراءة عن ذلك في حال العجز كان كالبيان بالنسبة الى وجوب الباقي فيكون ضاراً لا نفع فيه ومن ذلك تعلم انه لامجال لمثله ههنا لما اشرنا اليه من بداهة انه إنما ورد في المقام الامتنان واستلزام ارتفاع ما يرفع به السهولة على المكلف لا فيما يستلزم الرفع الوضع فيختص بما يوجب نفي التكليف لا إثباته كما في المقام.
نعم ربما يقال في الاستدلال على وجوب ما عدا المتعذر بأن قضية الاستصحاب في بعض الصور وجوب الباقي في حال التعذر أيضاً ضرورة ان تعذر الجزء إنما أوجب الشك في بقاء الوجوب بالنسبة الى الباقي فيستصحب ولكنه لا يكاد يصح إلا على أحد تقديرين كل منها محل تأمل أو منع:
أحدهما: ان يكون زوال الموضع المشتمل على الجزء المتعذر وتبدله بالباقي مصححاً لاستصحاب بقاء المأمور به بناءاً على صحة القسم الثالث من استصحاب الكلي وسيأتي في محله ما هو التحقيق ان شاء الله تعالى.
وثانيهما: ان يكون زوال هذا الجزء وتعذره كزوال بعض اجزاء الكر أو غيره من سائر الموضوعات الخارجية مما لا يوجب زوال الموضوع رأساً لان البناء في الاخذ بالحالة السابقة على المسامحة في تعيين الموضوع في الاستعجاب وإذا كان ما تعذر مما يسامح به عرفاً بحيث يصدق مع تعذره بقاء الموضوع المستلزم لبقاء الوجوب فيستصحب لو قيل بوجوب الباقي ولا يصدق ارتفاعه فيكون هو المستند لو قيل بعدم وجوبه ويأتي تحقيق الكلام فيه في غير المقام إن شاء الله تعالى. وكما ان الأصل العملي لم ينفع في وجوب الباقي لم ينفع أيضاً في وجوبه في الجملة ما استند اليه بعض من الدليل اللفظي حيث قيل بكونه هو مقتضى ما يستفاد من قوله (ص): (إذا امرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) وقوله: (الميسور لا يسقط بالمعسور) وقوله: (ما لا يدرك كله لايترك كله) ودلالة الأولى مبنية على كون كلمة من تبعيضية ليكون المعنى فأتوا أي بعض ما استطعتم منه لا بيانيه أو بمعنى الباء ليكون المعنى فاتوه أو فأتوا به ما استطعتم فيكون أجنبياً عن المقام وظهورها في التبعيض وان كان مما لا يكاد يخفى إلا ان كونه دالًا على المطلوب ممنوع لعدم كفاية ذلك في ذلك
إلا مع ظهوره أيضاً في كونه بحسب الاجزاء فتكون الابعاض هي الاجزاء وهو غير واضح لاحتمال ان يكون بلحاظ الافراد فيدل على لزوم التكرار الممكن في كل مورد بما يناسبه ولو سلم ظهوره لحاق اللفظ في ذلك فلا محيص عن تسليم انه ههنا بهذا اللحاظ ولا يمكن ان يراد غيره وذلك حيث انه إنما ورد وصدر جواباً عن السؤال عن تكرار الحج بعد أمره (ص) به فقد روى انه خطب رسول الله (ص) فقال: (ان الله كتب عليكم الحج) فقام عكاشه ويروى سراقه بن مالك فقال: في كل عام يا رسول الله فأعرض عنه حتى اعاد مرتين أو ثلاثاً فقال: (ويحك وما يؤمنك ان أقول نعم والله لو قلت نعم لوجب ولو وجب ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتم وإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم الى انبيائهم فإذا امرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) وهو كما ترى كالنص في كون التبعيض بلحاظ الافراد ومن ذلك ظهر الاشكال في دلالة الثاني أيضاً وهو قوله: (الميسور لا يسقط بالمعسور) حيث انه لم يظهر منه للمتأمل فيه ان له ظهوراً في عدم سقط الميسور من الاجزاء بمعسورها لاحتمال ارادة عدم سقوط الميسور من افراد العام بالمعسور منها بل لعله هو الظاهر منه بلحاظ لزوم التخصيص بالأكثر لو أريد الاجزاء بل ظاهر صدوره بنحو الاخبار لا الانشاء يدل على مغروسية مضمونه في الاذهان وليس المغروس إلا عدم سقوط ميسور الافراد كما لا
يخفى هذا مضافاً الى انه لو كان بلحاظ الاجزاء أيضاً لا يفيد ضرورة عدم دلالته على عدم السقوط لزوماً كما هو محل الكلام لعدم اختصاصه بالواجب ولا مجال معه لتوهم دلالته على انه بنحو اللزوم اذ لا يزيد ميسور الشيء على معسوره حكماً اللهم إلا ان يكون المراد بل هو الظاهر عدم سقوطه بحكمه فان كان واجباً فعلى نحو الوجوب أو مندوباً فعلى نحو الندب حيث ان الظاهر من مثله هو ذلك كما ان الظاهر من مثل لا ضرر ولا ضرار نفي ما له من تكليف أو وضع ولا يختص بخصوص أحدهما فصار الحاصل دلالة هذه القضية على عدم سقوط الميسور بحكمه فيعم الأمرين لا انها عبارة عن عدم سقوطه بنفسه وبقاءه على عهدة المكلف كي لا يكون له دلالة على جريان القاعدة في المستحبات على وجه وهو كون عدم السقوط بنحو اللزوم أو لا يكون له دلالة على وجوب الميسور في الواجبات على آخر وهو كونه بنحو الندب فافهم فانه لطيف دقيق وبالفهم حقيق.
واما الثالث: وهو ما لا يدرك كله لا يترك كله فبعد تسليم ظهور تعلق الادراك والترك فيه في الاجزاء لوضوح كون لفظ (كل) فيه في الفقرتين ظاهراً في الكل المجموعي لا الافرادي إلا انه لا دلالة له إلا على رجحان الاتيان بباقي الفعل المأمور به واجباً كان أو مستحباً عند تعذر بعض اجزاءه لظهور الموصول فيما يعمها فلا دلالة له حينئذ على الوجوب الذي هو المطلوب وليس ظهور قوله لا يترك
في الوجوب لو سلم تحقق الظهور موجباً لتخصيصه بالواجب لما مرّ من ان تعقب العام بضمير يرجع الى بعض ما يتناوله لا يوجب تخصيصه لو لم يكن ظهوره أي ظهور الموصول في الأعم قرينة على ارادة خصوص الكراهة أو مطلق المرجوحية من النفي فكون عموم العام قرينة على ارادة خلاف الظاهر في الخاص أولى من كون الخاص الظاهر في قرينة على ارادة خلاف العام في مثل المقام كما لا يخفى على ذي الذوق السليم وكيف كان فليس النفي ظاهراً في الحرمة بالنسبة الى الترك واللزوم بالنسبة الى فعل الباقي ههنا للقرينة التي عرفتها ولو قيل بظهوره فيه في غير المقام فصار الحاصل عدم دلالة الروايات الثلاث على وجوب الباقي لظهور الأولى في التبعيض بحسب الافراد والثانية والثالثة في عدم اللزوم وقد اطنب شيخنا استاذ المحققين المرتضى في بيان دلالتها ورد ما نوقش به فيها والانصاف قوة ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) بل لو قيل بظهور الروايتين في عدم اللزوم واختصاصهما بالمندوبات لم يكن بعيداً ضرورة ظهورهما جداً في كون الموضوع الذي له ميسور ومعسور والذي لا يدرك ويترك مما كان بيد المكلف فعل ميسوره وعدم ترك كله المتولد هذا الظهور من ظهورهما في كون الغرض منهما بيان انه لا ينبغي للمكلف ان يجعل عسر المعسور وعدم ادراك الكل عذراً في ترك الميسور المتحقق به ترك الكل أيضاً فيترك صلة الرحم رأساً لعدم قدرته على المناسب منها ويترك صلوة الليل رأساً لعدم قدرته على
ادائها بوظائف كمالها وهكذا ولذا نرى أغلب المشترعة لا يستدلون بها إلا في امثال هذه الموارد ويؤيد ذلك بل يدل عليه ان ظاهر الروايتين ظهوراً لا ينكره إلا مكابر كون الفائدة بهما تامة من غير ان تكون فيهما شائبة الاجمال مع إنهما بناءاً على شمولهما للواجبات يكونان في غاية الاجمال إذ لا يعرف المكلف من نفسه ميسور الركوع من معسوره مثلًا وكذلك سائر اجزاء العبادة لا سيما في مثل الصلاة والحج ولا يعلم كيفية اداء الميسور وهكذا في سائر الواجبات فالانصاف ان اختصاصهما بالمندوب قريب جداً بل عمومها لغيره في غاية البعد ولا نبالي بوحشة الانفراد إذا ساعدنا ظهور اللفظ في استكشاف المراد. هذا حال الجزء ثم انك من ذلك تعرف حال الشرط وتعلم انه حيث كان الملاك في قاعدة الميسور هو صدق الميسور على الباقي عرفاً كانت القاعدة جارية مع تعذر الشرط أيضاً كل على مذهبه لصدقه حقيقة عليه مع تعذره عرفاً كصدقه عليه كذلك مع تعذر الجزء في الجملة وان كان فاقد الشرط مبايناً للواجد عقلًا وذلك كما في الرقبة والرقبة المؤمنة فإن الاولى ميسور الثانية عرفاً مع تباينهما وجوداً فالمناط والملاك هو الصدق العرفي ومن أجل ذلك ربما لا يكون الباقي الفاقد لمعظم الاجزاء إلا الاركان أو لركنها الاعظم المؤثر ما لا يؤثره المعظم مما يصدق عليه الميسور ويكون مورداً لها فلا تجري أصلًا فيما إذا لم يصدق عليه الميسور عرفاً وان كان غير مباين للواجد عقلًا كالصلاة الكاملة والصلاة بلا سجود