الالزام به إلا ان كونه بهذه الحيثية يكون بنحو القيدية وقد عرفت مراراً ان المطلق بقيد الاطلاق يضاد المقيد والطبيعة لا بشرط يقيد كونها لا بشرط ضد للطبيعة بشرط شيء. وما يقال من انها لا بشرط تجامع ألف شرط فهو فيما لم يكن قد أخذ على نحو القيدية والاتفاق على تضاد الأحكام الكاشف عن تضاد ملاكاتها مبني على ما حققنا فلو عكس الأمر وقال إن عدم ترتيب الآثار بسبب الشك في بقاء الطلب الذي كان متيقناً في ضمن الوجوب لاحتمال تبدله بالاستحباب أو العكس يعد بنظر العرف نقضاً لوحدة الموضوع بالنظر المسامحي وان لم يكن بنقض عقلًا لتباينهما وتضادهما لكان أوجه ومما ذكرنا في المقام يظهر أيضاً حال الاستصحاب في متعلقات الأحكام في الشبهات الحكمية والموضوعية وقد انقدح لك ان تحرير صاحب الكفاية (قدس سره) لهذه المسألة على هذا النحو أوفق مما حررها به غيره ومنهم شيخنا العلامة حيث حررها أولًا في الموضوعات والمتعلقات لأن غرض الأصولي إنما يتعلق بالبحث عن حال الأحكام وذكر الموضوعات إنما يكون على سبيل التبع استطراداً فلا تغفل.
الرابع من التنبيهات: انه قد علم مما سبق من اشتراط اتحاد القضية المشكوكة والمتيقنة وان المشكوك لابد ان يكون بقاء ما علم حدوثه ومن ان ضابطة ذلك صدق النقض عرفاً وعدم صدقه فكل مكان صدق فيه النقض كان المشكوك في بقاءه هو المقطوع بحدوثه
وكل ما لم يصدق لم يكن كذلك انه لا فرق في المتيقن بين ان يكون من الأمور القارة أو التدريجية غير القارة لاجتماع الشرطين معاً فان الأمور غير القارة وان كان وجودها يتصرم ولا يتحقق منه جزء إلا بعدما انصرم جزء آخر وانعدم إلا أنه إذا لوحظت حين ما لم يتخلل في البين العدم بحيث لا يقارن عدم الجزء المنصرم وجود المتجدد.
بل وان تخلل العدم لكن بما لا يخل بالاتصال عرفاً وان انفصل حقيقه بحسب الدقة العقلية كانت باقية مطلقاً حقيقة وعرفاً فيما لم يتخلل العدم أصلًا أو عرفاً خاصة فيما تخلل بما لا يخل وكيف لا يصدق البقاء عليها مع أنه عرفاً يكون رفع اليد عنها مع الشك في استمرارها وانقطاعها نقضاً فيحرم الموجب لكون عدمه ابقاء فيجب ولا يعتبر في الاستصحاب بحسب تعريفه وأخبار الباب وغيرها من أدلته غير صدق النقض والبقاء كذلك قطعاً هذا مع ان الانصرام والتدرج في الوجود في الحركة في الأين وغيره إنما هو في الحركة القطعية وهي التي تقطع المسافة وهي كون الشيء في كل آن في حد أو مكان لا الحركة التوسطية وهي كونه بين المبدء والمنتهى فإنه بهذا المعنى يكون قاراً مستمراً فإذا لوحظ النهار ما بين طلوع الشمس وغروبها فهذا المعنى قار مستمر وإذا لوحظ بمعنى سير الشمس من مبدء الطلوع الى منتهى الغروب فهو غير قار ولأن المبني على غير القار لا يعقل ان يكون قاراً والاستصحاب في مثل هذه الأمور لا يجب ان يبني على لحاظها بالمعنى الثاني بل يبنى على لحاظها
بالمعنى الأول، فانقدح بذلك انه لا مجال للاشكال في استصحاب مثل الليل أو النهار وترتيب ما لهما من الآثار وكذا كلما كان من هذا القبيل إذا كان الشك في الأمر التدريجي من جهة الشك في أنها حركته ووصوله الى المنتهى أو انه بعد في البين لما عرفت من أنه لا مانع منه مطلقاً اما بناءاً على اللحاظ بالمعنى الأول فواضح واما بالمعنى الثاني فلصدق النقض والاتحاد حقيقة وعرفاً في صورة وعرفا خاصة في أخرى فما يظهر من شيخنا العلامة (أعلى الله مقامه) من الاشكال لا وجه له واما إذا كان الشك في كميته ومقداره وهو ما كان من الامور غير القارة زمانياً لا زماناً كما في التكلم ونبع الماء وجريانه وخروج الدم وسيلانه فيما كان سبب الشك في بقاء الجريان والسيلان الشك في انه بقى في المنبع والرحم فعلًا شيء من الماء والدم غير ما سال وجرى منها وفي بقاء المتكلم الشك في قلة أجزاءه وكثرتها فربما يشكل الأمر في استصحابها حينئذ فإن الشك ليس في بقاء شخص ما كان جاريا أو سائلًا أو حاصلًا بل في حدوث جريان وسيلان وحصول أو صدور جزء آخر شك في جريانه وسيلانه وصدوره من جهة الشك في حدوثه ولكنه ربما يتخيل بانه لا يختل به ما هو الملاك في الاستصحاب بحسب تعريفه ودليله كما عرفت والحق في المقام ما أفاده شيخنا العلامة استاذ المحققين من ان الملاك صدق الوحدة وكون الشك في البقاء وهي موجودة في بعضها قطعاً كما في التكلم الذي احرز مقدار اقتضاء داعيه وشرع فيه المتكلم وأصلًا
بعضه ببعض غير فأصل له بسكنه ولا بجملة أجنبية معترضة ولا غير ذلك وكما في الجريان والسيلان المتصلين كذلك وغير موجوده في بعضها قطعاً كضد هذه الأمور ومحل الالتباس في ثالث ومن هنا حصل اختلاف الانظار فاجروا الاستصحاب في بعض وأنكروه في بعض ثم انه لا يخفى ان استصحاب بقاء الأمر التدريجي أما يكون من قبيل استصحاب الشخص كما في الأمثلة المذكورة أو يكون من قبيل استصحاب الكلي بأقسامه وأوضح موارده تصوير التكلم فإذا شك في ان السورة المعلومة التي شرع فيها كالتوحيد مثلًا تمت أو بقي شيء منها صح فيه استصحاب الشخص والكلي وهو واضح وإذا شك فيه من جهة ترددها بين المقطوع بتمامها والمشكوك حدوثها كالقصيرة والطويلة كان من القسم الثاني وإذا شك في انه شرع في أخرى مع القطع بأنه قد تمت الأولى كان من القسم الثالث كما لا يخفى واما في الماء والحيض فالقسم الأول واضح واما الثاني فإذا شك فيهما لترددهما بين ما كان خروجه بحسب العادة ثلاثاً أو نبعه كذلك شتاء وما كان خروجه بحسب العادة خمساً أو سبعاً أو تمام الفصول المقطوع بانقطاعه على الأول المشكوك بقاءه للشك في حدوث الثاني واما الثالث فإذا شك في بقاءه وكان بعادة وزمان خاصين لاحتمال تجدد حيض تكون بسببه العادة أكثر او ماء آخر وهكذا الكلام في كل ما كان من هذا القبيل هذا كله في الزمان ونحوه وهو الزماني من سائر التدريجيات واما الفعل المفيد بالزمان
ك- (اجلس في ساعة الظهر مثلًا) أو (صم في يوم الجمعة) فتارة يكون الشك في حكمه من جهة الشك في بقاء قيده وطوراً مع القطع بانقطاعه وانتفاءه ولكن الشك من جهة أخرى كما إذا احتمل في مثال الصوم المقيد بيوم الجمعة ان يكون وجوبه والتعبدية بلحاظ تمام المطلوب لا أصله بأن يكون أصل المطلوب هو الصوم وكونه يوم الجمعة مطلوب ثاني متمم للمطلوب الأول فإن كان الشك من جهة الشك في بقاء القيد فلا بأس باستصحاب بقاء قيده من الزمان فيما يمكن فيه ذلك كالنهار المقيد به المصوم وساعة الظهر المقيد بها الجلوس مثلًا فيترتب وجوب الامساك وعدم جواز الافطار ما لم يقطع بزواله كما لا بأس باستصحاب المقيد فيقال ان الامساك كان قبل هذا الآن في النهار والان كما كان فيجب- فتأمل، فان لقائل ان يقول بانه صحيح لولا كونه مثبتاً فينحصر الأمر باستصحاب القيد وان كان من الجهة الأخرى فهو على نحوين لأن الزمان المأخوذ فيه اما ان يكون ظرفا أو قيدا وإذا كان على النحوين فلا مجال إلا لاستصحاب الحكم في خصوص مالم يؤخذ الزمان فيه إلا ظرفاً لثبوته لا قيداً مقوماً لموضوعه وإلا بأن أخذ قيداً فلا مجال إلا لاستصحاب عدمه فيما بعد ذاك الزمان فانه غير ما علم ثبوته له فيكون الشك في ثبوته له أيضاً شكاً في أصل ثبوته بعد القطع بعدمه والأصل عدمه وبراءة الذمة منه. لا يقال لا فرق في ذلك بين كون الزمان ظرفاً أو قيداً ضرورة أن الزمان لا محالة يكون من قيود
الموضوع وان أخذ ظرفاً لثبوت الحكم في دليله ضرورة انه لولا دخل مثل الزمان فيما هو المناط لثبوته لم يؤخذ ظرفاً والظرفية الضرورية يقوم بها مطلق الزمان فلا وجه لأخذ الخاص ظرفاً وحينئذ فلا مجال إلا لإستصحاب عدمه؟ فانه يقال نعم لو كانت العبرة في تعيين الموضوع بالدقة ونظر العقل كان ما ذكر صحيحاً ووجب ملاحظته بكل ما يحتمل دخله فيه واما إذا كانت العبرة بنظر العرف كما هو الصحيح فالفرق بين القيدية والظرفية في غاية الوضوح لان الموضوع عرفاً في الأول هو المقيد ولكن في الثاني هو المطلق فلا شبهة حينئذ في أن الفعل بهذا النظر موضوع واحد في الزمانين قطع بثبوت الحكم له في الزمان الأول وشك في بقاء هذا الحكم له في الزمان الثاني فلا يكون مجال إلا الاستصحاب بثبوته. لا يقال ان ملاك الاستصحاب موجود في الموردين لانه إذا لوحظ ان العدم الأزلي المتيقن لم ينقطع إلا بما علم من التكليف الخاص بخصوصية زمانه فإذا شك في التكليف في الزمان الثاني فاستصحاب عدمه محكم وإذا لوحظ ان العدم قد انقطع وارتفع بالوجود فلن يعود فإذا شك في بقاء ذلك الوجود الكائن التكليف الخاص في الزمان الثاني فاستصحاب ثبوته محكم وعلى هذا البيان فاستصحاب كل واحد من الثبوت والعدم يجري لثبوت كلا النظرين ولا محالة يقع التعارض بين الاستصحابين كما قيل؟ فإنه يقال ما أوهن هذا السؤال فإن العدم بعدما ارتفع بالوجود فلا يعقل أنه بعينه يعود فلو انعدم التكليف بعد
ثبوته ولو لعدم اقتضاءه للثبوت أكثر من ذلك فهذا عدم آخر غير العدم السابق والفرق بين عدم حدوث التكليف وعدم بقاءه بعد حدوثه في غاية الوضوح وليس الوجود والعدم بعده من الأحوال الطارئة على العدم الأزلي وإنما بحدوث اللاحق يزول موضوع السابق رأساً. فانقدح انه لا يمكن النظر في الجعل الى بقاء العدم الأزلي في زمان الشك ليعم الجعل كلا النظرين ويقع التعارض بين الاستصحابين فيما يظهر من صاحب الكفاية من إمكان ذلك ذاتاً وانه إنما يكون ذلك ممكناً وقوعاً لو كان في الدليل ما بمفهومه يعم النظرين وإلا فلا يكاد يصح إلا إذا سيق بأحدهما لعدم إمكان الجمع بينهما لكمال المنافاة بينهما ولا يكون في أخبار الباب ما بمفهومه يعمها فلا يكون هناك إلا استصحاب وهو استصحاب الثبوت فيما إذا أخذ الزمان ظرفاً واستصحاب العدم فيما إذا أخذ قيداً لما عرفت من أن العبرة في هذا الباب بالنظر العرفي ولا شبهة في أن الفعل فيما بعد ذاك الوقت معه قبله متحد في الأول ومتعدد في الثاني بحسبه ضرورة أن الفعل المقيد بزمان خاص غير الفعل في زمان آخر ولو بالنظر المسامحي منظور فيه من وجوه شتى:
أحدها: ما يظهر منه من إمكان النظر الى العدم الأزلي والحكم ببقاءه تعبداً وقد عرفت عدم امكانه.
ثانيها: ما ذكره من انه لو كان في الدليل ما يعم النظرين بمفهومه صح ذلك، وفيه أنه إذا تنافى اللحاظان ذاتاً وخارجاً
فلا يرفع تنافيهما وجود مفهوم يعم، نعم إنما يصح إذا كان ذلك إخباراً عن وقوع نظرين سابقين كما لا يخفى.
ثالثها: ان تعارض بعض أفراد العام إذا كان مدلول بعضها النفي ومدلول الآخر الاثبات لا يوجب عدم امكان النظر اليهما بل الحالة فيه كالحال فيما دل على حجية خبر الواحد مثلًا في شموله للخبرين المتعارضين واحتماله لوجهين كون التعارض مانعاً من أصل الشمول أو مانعاً بحسب الفعلية مع الشمول بحسب المقتضى كما تحقق ذلك في محله وشمول لا تنقض اليقين بالشك للاستصحابين المتعارضين كشمول (خذ) بما رواه محمد بن مسلم للخبرين المتعارضين والحكم بأن مفهوم لا تنقض لا يعم ومفهوم خذ بما روى يعم لا يخلو عن تحكم.
رابعها: ما ذكره وفاقاً لشيخنا العلامة من ان المحقق هو استصحاب الثبوت في صورة الظرفية والعدم في صورة القيدية نظراً الى أن المرتفع في الأولى هو العدم المطلق فلا محل لاستصحابه وفي الثانية هو العدم الخاص وهو لا يوجب ارتفاع المطلق. وفيه ما عرفت من ان المرتفع هو المطلق في الصورتين للقطع بأنه حال الوجود لا عدم أصلًا فالعائد بعد ارتفاع الوجوب غير المرتفع بوجوده فيكون الشك في التكليف بعد ارتفاع المقيد كالشك فيه قبل وجوده لا يجري فيه إلا أصالة البراءة وأنت إذا نظرت الى ما حققناه نظر المصنف الخالي قلبه عن الغصبية وفكره عن الوساوس النفسية