بعضه ببعض غير فأصل له بسكنه ولا بجملة أجنبية معترضة ولا غير ذلك وكما في الجريان والسيلان المتصلين كذلك وغير موجوده في بعضها قطعاً كضد هذه الأمور ومحل الالتباس في ثالث ومن هنا حصل اختلاف الانظار فاجروا الاستصحاب في بعض وأنكروه في بعض ثم انه لا يخفى ان استصحاب بقاء الأمر التدريجي أما يكون من قبيل استصحاب الشخص كما في الأمثلة المذكورة أو يكون من قبيل استصحاب الكلي بأقسامه وأوضح موارده تصوير التكلم فإذا شك في ان السورة المعلومة التي شرع فيها كالتوحيد مثلًا تمت أو بقي شيء منها صح فيه استصحاب الشخص والكلي وهو واضح وإذا شك فيه من جهة ترددها بين المقطوع بتمامها والمشكوك حدوثها كالقصيرة والطويلة كان من القسم الثاني وإذا شك في انه شرع في أخرى مع القطع بأنه قد تمت الأولى كان من القسم الثالث كما لا يخفى واما في الماء والحيض فالقسم الأول واضح واما الثاني فإذا شك فيهما لترددهما بين ما كان خروجه بحسب العادة ثلاثاً أو نبعه كذلك شتاء وما كان خروجه بحسب العادة خمساً أو سبعاً أو تمام الفصول المقطوع بانقطاعه على الأول المشكوك بقاءه للشك في حدوث الثاني واما الثالث فإذا شك في بقاءه وكان بعادة وزمان خاصين لاحتمال تجدد حيض تكون بسببه العادة أكثر او ماء آخر وهكذا الكلام في كل ما كان من هذا القبيل هذا كله في الزمان ونحوه وهو الزماني من سائر التدريجيات واما الفعل المفيد بالزمان
ك- (اجلس في ساعة الظهر مثلًا) أو (صم في يوم الجمعة) فتارة يكون الشك في حكمه من جهة الشك في بقاء قيده وطوراً مع القطع بانقطاعه وانتفاءه ولكن الشك من جهة أخرى كما إذا احتمل في مثال الصوم المقيد بيوم الجمعة ان يكون وجوبه والتعبدية بلحاظ تمام المطلوب لا أصله بأن يكون أصل المطلوب هو الصوم وكونه يوم الجمعة مطلوب ثاني متمم للمطلوب الأول فإن كان الشك من جهة الشك في بقاء القيد فلا بأس باستصحاب بقاء قيده من الزمان فيما يمكن فيه ذلك كالنهار المقيد به المصوم وساعة الظهر المقيد بها الجلوس مثلًا فيترتب وجوب الامساك وعدم جواز الافطار ما لم يقطع بزواله كما لا بأس باستصحاب المقيد فيقال ان الامساك كان قبل هذا الآن في النهار والان كما كان فيجب- فتأمل، فان لقائل ان يقول بانه صحيح لولا كونه مثبتاً فينحصر الأمر باستصحاب القيد وان كان من الجهة الأخرى فهو على نحوين لأن الزمان المأخوذ فيه اما ان يكون ظرفا أو قيدا وإذا كان على النحوين فلا مجال إلا لاستصحاب الحكم في خصوص مالم يؤخذ الزمان فيه إلا ظرفاً لثبوته لا قيداً مقوماً لموضوعه وإلا بأن أخذ قيداً فلا مجال إلا لاستصحاب عدمه فيما بعد ذاك الزمان فانه غير ما علم ثبوته له فيكون الشك في ثبوته له أيضاً شكاً في أصل ثبوته بعد القطع بعدمه والأصل عدمه وبراءة الذمة منه. لا يقال لا فرق في ذلك بين كون الزمان ظرفاً أو قيداً ضرورة أن الزمان لا محالة يكون من قيود
الموضوع وان أخذ ظرفاً لثبوت الحكم في دليله ضرورة انه لولا دخل مثل الزمان فيما هو المناط لثبوته لم يؤخذ ظرفاً والظرفية الضرورية يقوم بها مطلق الزمان فلا وجه لأخذ الخاص ظرفاً وحينئذ فلا مجال إلا لإستصحاب عدمه؟ فانه يقال نعم لو كانت العبرة في تعيين الموضوع بالدقة ونظر العقل كان ما ذكر صحيحاً ووجب ملاحظته بكل ما يحتمل دخله فيه واما إذا كانت العبرة بنظر العرف كما هو الصحيح فالفرق بين القيدية والظرفية في غاية الوضوح لان الموضوع عرفاً في الأول هو المقيد ولكن في الثاني هو المطلق فلا شبهة حينئذ في أن الفعل بهذا النظر موضوع واحد في الزمانين قطع بثبوت الحكم له في الزمان الأول وشك في بقاء هذا الحكم له في الزمان الثاني فلا يكون مجال إلا الاستصحاب بثبوته. لا يقال ان ملاك الاستصحاب موجود في الموردين لانه إذا لوحظ ان العدم الأزلي المتيقن لم ينقطع إلا بما علم من التكليف الخاص بخصوصية زمانه فإذا شك في التكليف في الزمان الثاني فاستصحاب عدمه محكم وإذا لوحظ ان العدم قد انقطع وارتفع بالوجود فلن يعود فإذا شك في بقاء ذلك الوجود الكائن التكليف الخاص في الزمان الثاني فاستصحاب ثبوته محكم وعلى هذا البيان فاستصحاب كل واحد من الثبوت والعدم يجري لثبوت كلا النظرين ولا محالة يقع التعارض بين الاستصحابين كما قيل؟ فإنه يقال ما أوهن هذا السؤال فإن العدم بعدما ارتفع بالوجود فلا يعقل أنه بعينه يعود فلو انعدم التكليف بعد
ثبوته ولو لعدم اقتضاءه للثبوت أكثر من ذلك فهذا عدم آخر غير العدم السابق والفرق بين عدم حدوث التكليف وعدم بقاءه بعد حدوثه في غاية الوضوح وليس الوجود والعدم بعده من الأحوال الطارئة على العدم الأزلي وإنما بحدوث اللاحق يزول موضوع السابق رأساً. فانقدح انه لا يمكن النظر في الجعل الى بقاء العدم الأزلي في زمان الشك ليعم الجعل كلا النظرين ويقع التعارض بين الاستصحابين فيما يظهر من صاحب الكفاية من إمكان ذلك ذاتاً وانه إنما يكون ذلك ممكناً وقوعاً لو كان في الدليل ما بمفهومه يعم النظرين وإلا فلا يكاد يصح إلا إذا سيق بأحدهما لعدم إمكان الجمع بينهما لكمال المنافاة بينهما ولا يكون في أخبار الباب ما بمفهومه يعمها فلا يكون هناك إلا استصحاب وهو استصحاب الثبوت فيما إذا أخذ الزمان ظرفاً واستصحاب العدم فيما إذا أخذ قيداً لما عرفت من أن العبرة في هذا الباب بالنظر العرفي ولا شبهة في أن الفعل فيما بعد ذاك الوقت معه قبله متحد في الأول ومتعدد في الثاني بحسبه ضرورة أن الفعل المقيد بزمان خاص غير الفعل في زمان آخر ولو بالنظر المسامحي منظور فيه من وجوه شتى:
أحدها: ما يظهر منه من إمكان النظر الى العدم الأزلي والحكم ببقاءه تعبداً وقد عرفت عدم امكانه.
ثانيها: ما ذكره من انه لو كان في الدليل ما يعم النظرين بمفهومه صح ذلك، وفيه أنه إذا تنافى اللحاظان ذاتاً وخارجاً
فلا يرفع تنافيهما وجود مفهوم يعم، نعم إنما يصح إذا كان ذلك إخباراً عن وقوع نظرين سابقين كما لا يخفى.
ثالثها: ان تعارض بعض أفراد العام إذا كان مدلول بعضها النفي ومدلول الآخر الاثبات لا يوجب عدم امكان النظر اليهما بل الحالة فيه كالحال فيما دل على حجية خبر الواحد مثلًا في شموله للخبرين المتعارضين واحتماله لوجهين كون التعارض مانعاً من أصل الشمول أو مانعاً بحسب الفعلية مع الشمول بحسب المقتضى كما تحقق ذلك في محله وشمول لا تنقض اليقين بالشك للاستصحابين المتعارضين كشمول (خذ) بما رواه محمد بن مسلم للخبرين المتعارضين والحكم بأن مفهوم لا تنقض لا يعم ومفهوم خذ بما روى يعم لا يخلو عن تحكم.
رابعها: ما ذكره وفاقاً لشيخنا العلامة من ان المحقق هو استصحاب الثبوت في صورة الظرفية والعدم في صورة القيدية نظراً الى أن المرتفع في الأولى هو العدم المطلق فلا محل لاستصحابه وفي الثانية هو العدم الخاص وهو لا يوجب ارتفاع المطلق. وفيه ما عرفت من ان المرتفع هو المطلق في الصورتين للقطع بأنه حال الوجود لا عدم أصلًا فالعائد بعد ارتفاع الوجوب غير المرتفع بوجوده فيكون الشك في التكليف بعد ارتفاع المقيد كالشك فيه قبل وجوده لا يجري فيه إلا أصالة البراءة وأنت إذا نظرت الى ما حققناه نظر المصنف الخالي قلبه عن الغصبية وفكره عن الوساوس النفسية
وجنانه عن صفة الجبن الردية رأيت ما ذكرناه مطابقاً للوجدان والبرهان وان قل فيه الأتباع والأعوان فان المتبع ما يقضي به الدليل لا ما يقال أو قيل والله الهادي الى سواء السبيل.
نعم لا يبعد أن يكون الموضوع مع كون الزمان قيداً يكون بحسبه متحداً فيما إذا كان الشك في بقاء حكمه من جهة الشك في أنه بنحو التعدد المطلوبي وان حكمه بتلك المرتبة التي كان فيها مع ذاك الوقت المأخوذ قيداً فيه وان لم يكن باقياً بعده قطعاً إلا انه يحتمل بقاءه بما دون تلك المرتبة من مراتبه فيستصحب كما قيل من ان القضاء تابع للاداء وان تقييد الوجوب بالوقت إنما هو بمرتبة من مراتبه وفي خارج الوقت بمرتبة أخرى وعليه فلا محل للبراءة كما هو واضح فتأمل جيداً.
ازاحة وهم:
لا يخفى ان الطهارة الحدثية والخبثية وما يقابلهما كالحدث بقسميه في الأولى والنجاسة في الثانية يكون الشك فيها من جهة الرافع لا من جهة المقتضى لأنها مما إذا وجدت بأسبابها كالوضوء والغسل بالنسبة الى الأولى والحدث بقسميه بالنسبة الى ما يقابلها واستعمال المطهر في الثانية وملاقاة سائر النجاسات فيما يقابلها لا يكاد يشك في بقائها إلا من قبل الشك في الرافع لها لا من قبل الشك في مقدار تأثير أسبابها ضرورة انها بمقتضى دليلها إذا وجدت
بها كانت تبقى ما لم يحدث رافع لها سواء كانت الطهارة والنجاسة من الأمور الخارجية أو من الاحكام الوضعية المعدودة من الامور الاعتبارية التي كانت لها آثار شرعية فلا أصل لأصالة عدم جعل الوضوء سبباً للطهارة بعد المذي وكذا أصالة عدم جعل الملاقاة سبباً للنجاسة بعد الغسل مرة كما حكي عن بعض الأفاضل من اجراء هذين الأصلين لأثبات وجوب الوضوء بعد المذي وكفاية المرء في غسل النجاسات والتطهير منها وقد عرفت أنهما أصلان غير أصلين وأنه لا يكون ههنا إلا أصالة الطهارة في الأول أو النجاسة في الثاني كما لا يخفى.
الخامس من التنبيهات: لا يخفى انه كما لا اشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان المتيقن حكماً فعلياً مطلقاً لا ينبغي الاشكال في جريانه فيما إذا كان مشروطاً معلقاً ضرورة ان الملاك فعلية اليقين والشك حدوثاً وبقاءاً وهو موجود وكون المتيقن الحدوث على أي نحو يكون حدوثه لا يوجب خللًا في ركيته وملاكه أصلًا فلو شك في مورد من أجل طرو بعض الحالات عليه في بقاء أحكامه ففيما صح استصحاب أحكامه المطلقة صح استصحاب أحكامه المعلقة ولعدم الاختلال بذلك فيما اعتبر في قوام الاستصحاب من اليقين ثبوتاً والشك بقاءاً وأما توهم أنه لا وجود للمعلق قبل وجود ما علق عليه فاختل بذلك أحد ركنيه وهو اليقين ثبوتاً فاسد جداً فإن المعلق قبله أي قبل وجود المعلق عليه إنما
لا يكون موجوداً فعلًا لا أنه لا يكون موجوداً أصلًا بل المتيقن ثبوته وهو الحرمة المعلقة موجود فعلًا ضرورة ان المتيقن هو الحكم بما هو معلق لا مطلق الحكم وهو بهذا الوصف موجود فعلًا ولذا يصح الحمل عليه فتقول الحكم المعلق ثابت واما غير الموجود فعلًا أو الموجود بعد وجود المعلق عليه فلا حاجة في الاستصحاب إليه، فتسليم صاحب الكفاية عدم وجود الفعلي لا وجه له على انه ربما يضر بالاستصحاب فيما أريد ترتيب آثار البقاء فعلًا كما لا يخفى، على انه لا وجه لتسليم عدم الوجود فعلًا مع الاعتراف بأن المتيقن هو وجوده ولو بنحو التعليق قال (قدس سره): كيف والمفروض انه مورد فعلًا للخطاب بالتحريم مثلًا أو الايجاب فكان على يقين منه؟ قيل طرو الحالة فيشك فيه بعده.
قلت: بعد الاعتراف بعدم وجود الحكم فعلًا فلا ينفع وجود الخطاب فعلًا بالتحريم غير العقلي إذ المتيقن هو المخاطب به وهو الحرمة لا الخطاب نفسه فينحصر الوجه فيما ذكرنا من كفاية فعلية المتيقن ولو بوصف كونه معلقاً ولا يعتبر في الاستصحاب إلا الشك في بقاء شيء كان على يقين من ثبوته واختلاف نحو ثبوته لا يكاد يوجب تفاوتاً في ذلك. وبالجملة إذا كان الدليل دالًا على ثبوت الحرمة على تقدير كذا ولم يعلم ثبوت الحرمة الموصوفة بكونها على تقدير كذا في حال كذا يكون الاستصحاب متمماً لدلالة الدليل على الحكم فيما أهمل وأجمل سواء كان الحكم مطلقاً أم معلقاً فببركته