كان بقاء الموضوع بهذا المعنى واما إذا كان بمعنى احراز وجود الموضوع الفعلي خارجاً فلا يعتبر قطعاً في أصل جريانه لتحقق اركانه من دونه.
نعم ربما يكون مما لابد منه في بعض الآثار، والحاصل بقاء الموضوع واحرازه ولو بالاستصحاب شرط في الاستصحاب واما وجوده فليس بشرط ولكن يختلف الحال باختلاف الآثار ففي مثل استصحاب عدالة زيد بناءاً على جواز تقليد الميت إذا كان عدلًا لا يحتاج الى احراز وجود زيد في الخارج وحياته لجواز تقليده أو لقبول خبر يرويه وما اشبه ذلك وان كان محتاجاً اليه في آثار أخر مثل جواز الاقتداء به أو وجوب اكرامه أو الانفاق عليه أو استئجاره للعبادات نائباً وغير ذلك وإنما الاشكال كله في ان هذا الاتحاد ما الضابط فيه وانه هل هو بنظر العرف أو بحسب لسان دليل الحكم أو بنظر العقل؟ والفرق بين الانحاء الثلاثة يعلم من بيان حال كل واحد منها فلو كان مناط الاتحاد نظر العقل فلا مجال للاستصحاب في الاحكام لقيام احتمال تغير الموضوع في كل مقام شك في بقاء الحكم بزوال بعض خصوصيات موضوعه كزوال حالة العنبية وتبدلها بالزبيبية لاحتمال دخله فيه بل وكذا في الموضوعات إذا كان الشك لزوال بعض اجزائها كما لو أخذ شيء من متيقن الكرية ويختص بالموضوعات التي لا يكون منشأ الشك فيها ذلك كحياة زيد مثلًا بداهة انه إذا شك الانسان في بقاء حياة زيد فقد شك في ما كان على يقين منه حقيقة وهذا بخلاف ما لو كان مناط الاتحاد بنظر
العرف أو بحسب لسان الدليل فان ذلك لا يمنع من الجريان ضرورة ان انتفاء بعض الخصوصيات وان كان موجباً للشك في بقاء الحكم لاحتمال دخله في موضوعه بما هو موضوعه إلا انه ربما لا يكون بنظر العرف ولا في لسان الدليل إذ ربما لا يكون موضوع الدليل من مقوماته كما انه يختلف الحال بين كون المناط بنظر العرف أو بحسب لسان الدليل إذ ربما لا يكون موضوع الدليل بنظر العرف بخصوصه المأخوذ في الدليل موضوعاً مثلًا إذا ورد العنب إذا غلى يحرم كان الموضوع في لسان الدليل هو العنب ومن المعلوم ان المرجع في فهم ما هو الظاهر منه هو العرف وكان بحسب ما هو المفهوم منه عرفاً هو خصوص العنب ولكن العرف بحسب ما يرتكز في اذهانهم ويتخيلونه في افكارهم بما يدركونه من المناسبات بين الحكم وموضوعه يجعلون الموضوع للحرمة ما يعم الزبيب بمعنى انه ذات العنب لا بوصف العنبية ويرون صفتي العنبية والزبيبية من حالاته المتبادلة بحيث لو لم يكن الزبيب محكوماً بحكم العنب كان عندهم من ارتفاع الحكم عن موضوعه وكان الدال على ذلك في حكم المخصص لما دل على حكم مطلق العنب ولو كان محكوماً به بعينه كان من بقاءه ولا خير في اختلاف ما يفهمونه من لفظ الدليل مع ما يبنون عليه الأمر من حيث الارتكاز بمعنى ان يكون الدليل بحسب فهمهم على خلاف ما ارتكز في اذهانهم بسبب ما تخيلوه من الجهات والمناسبات فيما إذا لم يكن ما تخيلوه من تلك المناسبات بمثابة يصلح بها ان يكون قرينه على صرفه عما هو ظاهر فيه وإلا اتحد المأخوذ في لسان الدليل مع ما هو
بنظر العرف فالموضوع بحسب ما يفهمونه غيره بحسب ما يتخيلونه، فاندفع ما ربما يتوهم من عدم الوجه لجعل نظر العرف نحواً مستقلًا مع كون المرجع في المأخوذ في لسان الدليل الى العرف أيضاً ولا يخفى عليك ان النقض وعدمه حقيقة يختلف بحسب الملحوظ من الموضوع فيكون نقضاً بلحاظ موضوع ولا يكون نقضاً بلحاظ موضوع آخر كما عرفت في العنب الزبيب فإنه نقض بلحاظ الموضوع عرفاً وليس ينقض بلحاظه دليلًا فلابد في تعيين أن المناط في الاتحاد وهو الموضوع العرفي أو غيره من الشقين الاخرين من بيان أن خطاب لا تنقض قد سبق بأي لحاظ فالتحقيق أن يقال أن قضية أطلاق خطاب لا تنقض هو أن يكون قد سبق بلحاظ الموضوع العرفي لأنه هو المنساق من الاطلاق في المحاورات العرفية منها الخطابات الشرعية وصار كأنه هو الأصل فيها فما لم يكن هناك دلالة على أن النهي عن النقض فيه بنظر أخر غير ماهو الملحوظ في محاوراتهم لا محيص عن الحمل على انه قد سبق بذاك اللحاظ فيكون المناط في بقاء الموضوع هو الاتحاد بحسب نظر العرف وأن لم يجز بحسب العقل أو لم يساعده لسان الدليل النقلي وتظهر الثمرة في مواضع منها ما تقدم في لفظ العنب فيستصحب مثلًا ما يثبت بالدليل المعين إذا صار زبيباً لبقاء الموضوع واتحاد القضيتين عرفاً بخلاف ما لو كان المرجع لسان الدليل أوالعقل فيقتصر في الحكم على العنب ولا يتعدى.
نعم لو كان منشأ الشك في بقاء حكمه أمراً آخر غير ما يوجب تغيره جرى الاستصحاب على الوجوه الثلاثة ومنها ما تقدم في بعض
صور استصحاب الكلي فإنه لا يستصحب فيما لا اتحاد كذلك وان كان هناك اتحاد عقلًا كما مرت الاشارة اليه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي فإن تبدل فرد بآخر على وجه لا يخل بصدق بقاء الكلي عقلًا لا يضر في الاتحاد ولكن كان مضراً به عرفاً وقد أشرنا هناك أيضاً الى أن بعض الصور مما يصدق فيها الاتحاد عرفاً أيضاً في الجملة كتبدل مرتبة السواد الى ما دونها أو ما فوقها بقليل جداً فراجع.
المقام الثاني
قد عرفت انه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب مع تحقق الامارة المعتبرة في مورده لتأخره مرتبة عنها وانما الكلام في انه للورود أو الحكومة أو التوفيق بين دليل اعتبارها وخطابه وحيث قد حققنا في حاشية البراءة ان ضابط الحكومة كون الدليل ناظراً الى الواقع وحاكماً بتنزيل المظنون منزلة المقطوع المستلزم ذلك للحكم بعدم ترتيب آثار للشك ومنها الأصل في مورده تعرف ان الحق انه للحكومة لا للورود. وحيث حصر صاحب الكفاية ضابط الحكومة بما افاده شيخنا العلامة في ضابطها من كون الدليل على الحكم ناظراً بلسانه الى الدليل المحكوم بحيث يعد عرفاً كالمفسولة جزم بان التحقق يعين انه للورود لعدم وجود ما جعل ضابطاً للحكومة في الامارة فان
رفع اليد عن اليقين السابق بسبب امارة معتبرة على خلافه ليس من نقض اليقين بالشك بل باليقين وان عدم رفع اليد عنه مع قيام الامارة على وفقه ليس من أجل ان لا يلزم نقضه به بل من جهة لزوم العمل بالحجة وأنت خبير بأن المأخوذ في لفظ الدليل لفظ اليقين والشك ولا ريب في ان مورد الامارة مشكوك وان اعتبارها للظن فلا محيص له عن التصرف اما بلفظ اليقين بأن يراد منه مطلق الحجة او بلفظ الشك بأن يراد منه ما لا يكون في مورده امارة معتبرة وعلى هذا التقدير فلا ورود ولا حكومة لانه يستفاد ذلك من لفظ الدليل الدال على الأصل واما بأن الدليل الدال على الامارة قد جعل الشك بحكم اليقين مع عدم التصرف في لفظ دليل الأصل وهذا معنى الحكومة لا الورود كما لا يخفى. ولو لم يكن من الحكومة فلا أقل من عدم كونه وروداً لان الورود ما أوجب زوال الموضوع حقيقية لا تعبداً وتنزيلًا اللهم الا أن يكون مراده أن النقض باليقين بالحكم الظاهري الذي هو مؤدى الامارة، وفيه أن النقض باليقين بمؤدى الامارة الظنية ظاهراً نقض بالظن بمؤادها واقعاً الذي كان هو المتيقن فلا يكون من نقض اليقين باليقين إلا حكومة كما لا يخفى. وكيف كان فانه لا يقال نعم هذا مسلم على أي تقدير كان ولكنه لو أخذ بدليل الامارة في مورده ولكنه لا يوجب لذلك ليتحير في كيفية الاخذ ولم لا يؤخذ بدليله أي دليل الأصل وأي وجه لان يلزم الاخذ بدليلها؟ فإنه يقال ذلك إنما هو لما عرفت من قضاء دليل
الامارة ودليل الأصل به حيث كان دليل الامارة ناظراً الى حكم المكلف في الواقع ودليل الأصل ناظراً الى حكم الشاك مع عدم ادراك الواقع فإذا كان مدركاً بحكم الامارة للواقع سقط موضوع الأصل حكماً بالضرورة وهو ما أردناه من الحكومة هذا مضافاً الى انه لو دار الأمر بين الاخذ بما لا يلزم منه التخصيص بلا مخصص والأخذ بما يلزم منه ذلك كان الاول مقدماً قطعاً والامر في المقام كذلك فإن العمل بالأمارة إنما هو من أجل انه لا محذور في الاخذ بدليلها بخلاف العمل بالأصل والاخذ بدليله فانه يستلزم تخصيص دليلها بلا مخصص إلا على وجه دائر إذ تقديم دليل الأصل والتخصيص به يتوقف على كونه في مرتبة الامارة وتحقق اعتباره معها كما عرفت واعتباره كذلك حسب الغرض يتوقف على التخصيص به أذ لولاه أي لولا جواز التخصص لا مورد له معها كما عرفت آنفاً والحاصل ان الاخذ بدليل الامارة لا يلزم منه الا التخصص وزوال موضوع الأصل والاخذ بدليل الأصل مستلزم لتخصيص دليل الامارة في موردهِ بلا مخصص لما عرفت من أن معرفة كونه مخصصاً موقوف على وجه غير معقول وهو لزوم الدور فتحقق أن التقديم للورود واما حديث الحكومة فلا أصل له أصلًا عند المصنف بناءاً منه على تفسيرها بما أفاده شيخنا العلامة فانه لا نظر لدليلها الى مدلول دليله اثباتاً وبما هو مدلول الدليل وان كان دالًا على الغاءه معها ثبوتاً وواقعاً الذي هو معنى الحكومة عندنا
خلافاً لصاحب الكفاية وغيره لمنافاة لزوم العمل بها مع لزوم العمل به لو كان على خلافها كما ان قضية دليله اثبات حكم للشاك الفاقد للواقع ومن الواضح ان لا موضوع له مع قيامها وأما ما أفاده صاحب الكفاية من ان قضية دليله الغائها كذلك فان كلًا من الدليلين بصدد بيان ما هو الوظيفة للجاهل فيطرد كل منها الاخر مع المخالفة لا أصل له لما عرفت من ترتب موضوع أحدهما على عدم الآخر وأن نظر أحدهما الى الواقع ونظر الآخر الى فاقده الشاك فعلًا فيه فكيف يطرد المطرود طارده في حال كونه مطروداً لا يمكنه الالتفات الى وراءه هذا مع لزوم اعتباره معها في صورة الموافقة بناءاً على الحكومة المعنى الاول لكون الحاكم والمحكوم في مرتبة واحدة وإنما كان حاكماً بنظره اليه في صورة المخالفة قال صاحب الكفاية: ولا أظن أن يلتزم به القائل بالحكومة، وفيه انه كما قال لو قلنا بالحكومة بذلك المعنى.
وأما لو قلنا بها بالمعنى الثاني فهي أعم مورداً من الاول لأنه ان كان موضوع الدليلين على النحو الذي نحن فيه سقط اعتباره مطلقاً موافقاً أو مخالفاً لقضاء الدليلن بترتب موضوعهما وجوداً وإن كان ناظراً أحدهما الى الآخر سقط في صورة المخالفة دون صورة الموافقة لأن الضرورة تقدر بقدرها والمتبع هو مقدار ما دل الدليل عليه لا أزيد فافهم فان المقام لا يخلو عن دقة واحفظ ذلك فانه ينفعك في مقامات عديدة.
هذا واما الطريق الثالث وهو التوفيق فان كان بما ذكرنا لا بما ذكر صاحب الكفاية فتعم الاتفاق وان كان بتخصيص دليله بدليلها فلا وجه له لما عرفت من انه لا يكون مع الأخذ به نقض يقين بشك حكماً لا واقعاً لا انه غير منهي عنه مع كونه من نقض اليقين بالشك على ما هو معنى التخصيص من الدخول موضوعاً والخروج حكماً وقد حققنا المقام على ما ينبغي.