خاتمة
حيث وقع التعرض لبيان نسبة الاستصحاب الى سائر الطرق والامارات لاقتضاء المقام لذلك استطراداً لا بأس ببيان النسبة بين الاستصحاب وسائر الأصول العملية وأهمهما بيان التعارض بين الاستصحابين. فنقول أما الاول فالنسبة بينه وبينها هي بعينها النسبة بين الامارة وبينه وما ذكرناه هناك من الملاك بعينه جار هنا لما عرفت من عدم رفض الواقع بالمرة في الاستصحاب فيقدم عليها ولا مورد معه لها لما قدمنا من اقتضاء الدليلين لذلك واستفادة ترتبهما موضوعاً من لفظه وللزوم محذور التخصيص إلا على وجه دائر في العكس وهو تخصيص دليله بدليل الاصول وعدم محذور فيه أصلًا لأنه تخصص هذا في الاصول النقلية كأصالة الاحتياط والتخيير والحلية، وأما الاصول العقلية التي ملاكها العلم باشتغال الذمة وفقد الحجة والبيان والمؤمن من العقاب وعدم وجود مرجح لأحد الطرفين فلا يكاد يشتبه وجه تقديمه عليها وانه للورود حقيقة بداهة عدم الموضوع معه لها ضرورة انه اتمام حجة فلا تشتغل الذمة إلا بمقداره وحصول الفراغ بقيامه يقيناً وبيان ومؤمن من العقوبة وبه الأمان ولا شبهة في أن الترجيح به عقلًا صحيح.
وأما الثاني وهو مقام التعارض فالتعارض بين الاستصحابين على نحوين وذلك انه ان كان لعدم امكان العمل بهما من دون علم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما كاستصحاب وجوب أمرين مثل انقاذ غريق وغيره سواء حدث بينهما التضاد في زمان الاستصحاب كما لو كان يتمكن من انقاذهما معاً حين الوقوع لقربهما الى الساحل جداً ولكن سقط التمكن حين الاستصحاب لبعدهما عنه أو كان التضاد بينهما من زمان مبدء الوجوب فهو من باب تزاحم الواجبين ولا تعارض أصلًا فانقدح انه ليس مراد صاحب الكفاية (قدس سره) حصر التضاد بما حصل في زمان الاستصحاب وإنما خصه تمثيلًا وان كان مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما بمعنى كونه هو السبب في التضاد للعلم بوحدة التكليف فتارة يكون المستصحب في أحدهما من الآثار الشرعية للمستصحب الآخر فيكون الشك فيه مسبباً عن الشك فيه كالشك في نجاسة الثوب المغسول بماء مشكوك الطهارة وقد كان طاهراً يقيناً كما كان الثوب قبل الغسل نجساً يقيناً فان الشك في نجاسة الثوب بعد الغسل مسبب عن الشك في طهارة الماء قبله وحينه ومن آثار طهارته المستصحبة طهارة الثوب وأخرى لا يكون ذلك بل يكون كلاهما مسبباً عن ثالث كالشك في طهارة البدن وبقاء الحدث عند الوضوء بمائع مشكوك المائية والبولية فان الشك في كلا الأمرين مسبب عن الشك في المائع نفسه في عرض واحد فان كان أحدهما أثراً للآخر وهو النحو الأول فلا مورد إلا
للاستصحاب في المسبب لما ذكرناه فيما سبق ضرورة ان استفادة ترتب موضوع أحد الدليلين على الآخر من لفظ الدليل لا يفترق فيه الحال بين كون المدلولين فردين لدليل واحد أو لدليلين مختلفين فان اعمال الاستصحاب في طرف المسبب موجب لسقوط معنى الدليل الحاكم بعدم الموضوع في طرف المسبب كما انه موجب لتخصيص الخطاب وجواز نقض اليقين بالشك في طرف السبب بعدم ترتيب أثره الشرعي فان من آثار طهارة الماء المستصحبة التي هي السبب طهارة الثوب المغسول به ودفع نجاسته فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته أي بطهارة الماء للزوم عدم ترتيب أثر استصحابها بخلاف استصحاب طهارته إذ لا يلزم منه نقض يقين بنجاسة الماء بالشك بل باليقين بما هو رافع لنجاسته وهو غسله بالماء المحكوم شرعاً بطهارته حدوثاً بالقطع وبقاءاً بالاستصحاب وبالجملة فكل من السبب والمسبب وان كان مورداً للاستصحاب لتحقق أركانه صورة في كل منهما إلا ان الاستصحاب في الأول مزيل لموضوع الآخر مضافاً الى انه بلا محذور بخلافه في الثاني ففيه محذور التخصيص بلا وجه بل بوجه قبيح إلا بنحو محال مستلزم للدور فاللازم هو الاخذ بالاستصحاب السببي.
نعم لو لم يجر هذا الاستصحاب بوجه اما لسقوط موضوعه أو غير ذلك لكان الاستصحاب المسببي جارياً كما عرفت في ملاقي أحد الإنائين وان استصحاب طهارته بلا معارض إلا مع تلف
ما لاقاه قبل العلم الموجب لسقوط الاستصحاب فيه وجريانه في الملاقي فيتعارض مع الاستصحاب في الإناء الآخر ويتساقطان ويحكم بوجوب الاجتناب فانه لا محذور فيه حينئذ مع وجود أركانه وعموم خطابه هذا إذا كان أحدهما مسبباً عن الآخر وان لم يكن المستصحب في أحدهما من آثار الاخر فالأظهر التفصيل بين جريانهما فيما لم يلزم منه محذور المخالفة العملية القطعية للتكليف الفعلي المعلوم اجمالًا وإن لزم منه المخالفة القطعية الالتزامية وما يلزم منه ذلك فنقول بالحجية في الاول دون الثاني وذلك لوجود المقتضى اثباتاً وفقد المانع عقلًا اما وجود المقتضى فلإطلاق الخطاب في لا تنقض وشموله للاستصحاب في أطراف المعلوم بالاجمال ولا ينافي ذلك عدم شمول بعض أخبار الباب له مما اشتمل على الأمر بنقض اليقين باليقين بعد النهي عن نقضه بالشك لشموله لليقين الاجمالي فيلزم التناقض من شمول صدرها للطرفين وشمول ذيلها للمعلوم الاجمالي فيكشف ذلك عن خروج الاطراف وعدم الخطاب لها فان قوله (ع) في ذيل بعض أخبار الباب ولكن تنقض اليقين باليقين لو سلم انه يمنع من شمول قوله في صدره لا تنقض اليقين بالشك لليقين أو الشك في اطرافه للزوم المناقضة في مدلوله ضرورة وضوح المناقضة بين السلب الكلي الذي هو مدلول الصدر والايجاب الجزئي الذي هو مدلول الذيل بناءاً على ان الذيل حكم تأسيسي كالصدر وليس هو إشارة الى ما يحكم به العقل من
ان اليقين ناقض لليقين فتكون هذه الرواية كغير المذيلة بذلك في عدم لزوم تناقض من الشمول إلا انه لا يمنع من عموم النهي في سائر الأخبار مما ليس فيه هذا الذيل وشموله لما في أطرافه غاية الأمر سقوط الرواية المذيلة عن الدلالة على الاستصحاب فان اجمال ذاك الخطاب المذيل لذلك لا يكاد يسري الى غيره مما ليس فيه ذلك اللهم إلا أن يقال ان هذا الذيل قرينه عرفاً على مقدار ما أريد من مدلول قضية النهي عن النقض لعدم الفرق بين المذيل منها وغير المذيل حتى تختص الذيل بعدم الشمول دون غيره والانصاف انه ليس بالبعيد واما فقد المانع لو سلم وجود المقتضى فمن أجل ان جريان الاستصحاب في الاطراف لا يوجب إلا المخالفة الالتزامية كما عرفت في مثال الوضوء بالماء المردد فإنه وان كان الواقع تلازم بقاء طهارة البدن وارتفاع الحدث على تقدير كونه في الواقع ماء وبقاء الحدث ونجاسة البدن على تقدير كونه بولًا فلا معنى للتفكيك إلا ان غاية ما يلزم من استصحاب طهارة البدن وبقاء الحدث هو المخالفة التزاماً إذ لا مخالفة لتكليف فعلي عملًا وهو ليس بمحذور لا شرعاً ولا عقلًا بناءاً على جواز المخالفة الالتزامية وقد عرفت تحقيق الحال في ذلك في محله. ومنه قد انقدح عدم جريانه في اطراف العلم بالتكليف فعلًا أصلًا ولو في بعضها على ما هو الثاني في أطراف المعلوم الاجمالي المنجز لوجوب الموافقة القطعية له عقلًا ففي جريانه لا محاله يكون محذور المخالفة القطعية حيث يجري في الطرفين أو
الاحتمالية حيث يجري في طرف واحد لازماً كما لا يخفى. كما انقدح لك أيضاً مما سبق ومما ذكرنا هنا ان جريانه مع لزوم المخالفة الالتزامية أيضاً مشكل واما في مثل الوضوء بالمائع المردد فلا مانع من جريانه لعدم لزوم المخالفة الالتزامية أيضاً كما لا يخفى على المتأمل فيجري فيه في كل ما كان من قبله.
تذنيب:
لا يخفى عليك ان كلما نصب في مورد الاستصحاب حتى يوشك ان يكون لولا عدم حجية الاستصحاب نصبه لغواً فهو مقدم عليه وذلك مثل قاعدة التجاوز في حال الاشتغال بالعمل وقاعدة الفراغ منه واصالة صحة عمل الغير وقاعدة اليد مطلقاً ويد المسلم خاصة الى غير ذلك من القواعد المقررة في الشبهات الموضوعية إلا القرعة وإنما تكون هذه القواعد مقدمة على استصحاباتها المقتضية لفساد ما شك فيه من الموضوعات لتخصيص دليلها أي دليل الاستصحابات بدليلها أي بدليل القواعد وكون النسبة بينه وبين بعضها كاليد مثلًا عموماً من وجه المقتضى ذلك لحصول التعارض لا يمنع من تقديم دليلها على دليله وتخصيصه بها بعد قيام الاجماع على عدم التفصيل بين مواردها مع ما أشرنا إليه من لزوم قلة المورد لها جداً لو قيل بتخصيصها أي تخصيص أدلة القواعد بدليلها أي دليل الاستصحابات فيوشك من أجل ذلك ان يكون نصبها لغواً إذ قل مورد منها لم يكن هناك استصحاب على خلافها كما لا يخفى.
واما القرعة فليست كالقواعد ولا فيها ملاك التقديم فالاستصحاب في موردها يقدم عليها لعدم كون المورد معه مشتبهاً ولا مشكلًا فيزول بوجوده موضوعها لأنها لكل أمر مشتبه أو مشكل ولأخصية دليله من دليلها لاعتبار سبق الحالة السابقة فيه دونها وان كانت هي أيضاً أخص من جهة أخرى ضرورة اختصاصها بغير الاحكام إجماعاً إلا ان ذلك لا يوجب الخصوصية في دليلها بعد عموم لفظها لها اما لما ذكرنا في محله وسيأتي أيضاً إن شاء الله تعالى من ان نسبة الخاصين الى العام على حد سواء ولا يلاحظ بعد تخصيصه بالخاص بالنسبة الى الاخر واما لان لفظ الأمر فيها وان كان منصرفاً عرفاً الى خصوص الموضوعات إلا ان ذلك لا يرفع عمومها من حيث عدم اشتراط سبق الحالة السابقة فدليل الاستصحاب يخصصها من هذه الجهة وبالاجماع على عدم الفرق بين موارده على فرض التقديم والتخصيص يقدم في الموضوعات أيضاً هذا مضافاً الى فرض دليلها بكثرة تخصيصها حتى صار العمل به في مورد محتاجاً الى الجبر بعمل المعظم كما قيل وقوة دليله بقلة تخصيصه بخصوص دليلي، ومما ذكرنا من زوال موضوع القرعة وهو الاشتباه والاشكال بالاستصحاب تعرف انه لا ينبغي ان يقال من انه كيف يجوز تخصص دليلها بدليله وقد كان دليلها رافعاً لموضوع دليله لا لحكمه حيث ان موضوعه الشك مع فقد الوصول الى الواقع وهي طريق اليه معينة له وكان دليلها موجباً لكون نقض اليقين باليقين بالحجة على خلافه كما هو
الحال بعينه وبين أدلة سائر الامارات الناظرة الى الواقع فيكون المقام ههنا أيضاً من دوران الأمر بين التخصص بلا وجه غير دائر والتخصص؟ فانه يقال نعم لو كان دليل القرعة ناظراً الى الواقع أولًا وبالذات كان ما ذكر في غاية الجودة ولكن ليس الأمر كذلك فان الذي يظهر من دليلها انها وان كانت ليقين الواقع إلا انها بعد عدم طريق اليه ولو في الجملة من غير تمحص للطريقية ولو لم يكن إلا لفظ مشتبه ومجهول ومشكل لكفى في استفادة ذلك منها لظهورها جداً في نصبها حال تحير المكلف في العمل من كل وجه هذا مع انه يمكن ان يقال ان القرعة لا دخل لها بالاستصحاب بل بين موضوعيهما كمال التباين ضرورة اختصاص لفظ الاشتباه والمجهولية في دليل القرعة باشتباه الموضوع المعلق عليه الحكم فلا يشمل غير الشبهة الموضوعية ودليل الاستصحاب إنما يدل على لزوم ابقاء ما كان إذا شك في بقاءه تعبداً فالشك في موضوع الاستصحاب ليس الاشتباه نفسه بل لاحتمال ارتفاعه وزواله بعد حدوثه وأين ذلك من موضوع دليل القرعة؟ فلا معنى للتوفيق بينهما بالتخصيص وغيره ولعل ما ذكرنا أحسن ما قيل في المقام فظهر ان ما أفاده صاحب الكفاية من ان المشكوك مما كانت له حالة سابقة وان كان من المشكل والمجهول والمشتبه بعنوانه الواقعي إلا انه ليس منها بعنوان ما يطرء عليه من نقض اليقين بالشك وبما هو مستصحب والظاهر من دليل القرعة ان يكون منها بقول مطلق لا في الجملة فدليل الاستصحاب