صور استصحاب الكلي فإنه لا يستصحب فيما لا اتحاد كذلك وان كان هناك اتحاد عقلًا كما مرت الاشارة اليه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي فإن تبدل فرد بآخر على وجه لا يخل بصدق بقاء الكلي عقلًا لا يضر في الاتحاد ولكن كان مضراً به عرفاً وقد أشرنا هناك أيضاً الى أن بعض الصور مما يصدق فيها الاتحاد عرفاً أيضاً في الجملة كتبدل مرتبة السواد الى ما دونها أو ما فوقها بقليل جداً فراجع.
المقام الثاني
قد عرفت انه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب مع تحقق الامارة المعتبرة في مورده لتأخره مرتبة عنها وانما الكلام في انه للورود أو الحكومة أو التوفيق بين دليل اعتبارها وخطابه وحيث قد حققنا في حاشية البراءة ان ضابط الحكومة كون الدليل ناظراً الى الواقع وحاكماً بتنزيل المظنون منزلة المقطوع المستلزم ذلك للحكم بعدم ترتيب آثار للشك ومنها الأصل في مورده تعرف ان الحق انه للحكومة لا للورود. وحيث حصر صاحب الكفاية ضابط الحكومة بما افاده شيخنا العلامة في ضابطها من كون الدليل على الحكم ناظراً بلسانه الى الدليل المحكوم بحيث يعد عرفاً كالمفسولة جزم بان التحقق يعين انه للورود لعدم وجود ما جعل ضابطاً للحكومة في الامارة فان
رفع اليد عن اليقين السابق بسبب امارة معتبرة على خلافه ليس من نقض اليقين بالشك بل باليقين وان عدم رفع اليد عنه مع قيام الامارة على وفقه ليس من أجل ان لا يلزم نقضه به بل من جهة لزوم العمل بالحجة وأنت خبير بأن المأخوذ في لفظ الدليل لفظ اليقين والشك ولا ريب في ان مورد الامارة مشكوك وان اعتبارها للظن فلا محيص له عن التصرف اما بلفظ اليقين بأن يراد منه مطلق الحجة او بلفظ الشك بأن يراد منه ما لا يكون في مورده امارة معتبرة وعلى هذا التقدير فلا ورود ولا حكومة لانه يستفاد ذلك من لفظ الدليل الدال على الأصل واما بأن الدليل الدال على الامارة قد جعل الشك بحكم اليقين مع عدم التصرف في لفظ دليل الأصل وهذا معنى الحكومة لا الورود كما لا يخفى. ولو لم يكن من الحكومة فلا أقل من عدم كونه وروداً لان الورود ما أوجب زوال الموضوع حقيقية لا تعبداً وتنزيلًا اللهم الا أن يكون مراده أن النقض باليقين بالحكم الظاهري الذي هو مؤدى الامارة، وفيه أن النقض باليقين بمؤدى الامارة الظنية ظاهراً نقض بالظن بمؤادها واقعاً الذي كان هو المتيقن فلا يكون من نقض اليقين باليقين إلا حكومة كما لا يخفى. وكيف كان فانه لا يقال نعم هذا مسلم على أي تقدير كان ولكنه لو أخذ بدليل الامارة في مورده ولكنه لا يوجب لذلك ليتحير في كيفية الاخذ ولم لا يؤخذ بدليله أي دليل الأصل وأي وجه لان يلزم الاخذ بدليلها؟ فإنه يقال ذلك إنما هو لما عرفت من قضاء دليل
الامارة ودليل الأصل به حيث كان دليل الامارة ناظراً الى حكم المكلف في الواقع ودليل الأصل ناظراً الى حكم الشاك مع عدم ادراك الواقع فإذا كان مدركاً بحكم الامارة للواقع سقط موضوع الأصل حكماً بالضرورة وهو ما أردناه من الحكومة هذا مضافاً الى انه لو دار الأمر بين الاخذ بما لا يلزم منه التخصيص بلا مخصص والأخذ بما يلزم منه ذلك كان الاول مقدماً قطعاً والامر في المقام كذلك فإن العمل بالأمارة إنما هو من أجل انه لا محذور في الاخذ بدليلها بخلاف العمل بالأصل والاخذ بدليله فانه يستلزم تخصيص دليلها بلا مخصص إلا على وجه دائر إذ تقديم دليل الأصل والتخصيص به يتوقف على كونه في مرتبة الامارة وتحقق اعتباره معها كما عرفت واعتباره كذلك حسب الغرض يتوقف على التخصيص به أذ لولاه أي لولا جواز التخصص لا مورد له معها كما عرفت آنفاً والحاصل ان الاخذ بدليل الامارة لا يلزم منه الا التخصص وزوال موضوع الأصل والاخذ بدليل الأصل مستلزم لتخصيص دليل الامارة في موردهِ بلا مخصص لما عرفت من أن معرفة كونه مخصصاً موقوف على وجه غير معقول وهو لزوم الدور فتحقق أن التقديم للورود واما حديث الحكومة فلا أصل له أصلًا عند المصنف بناءاً منه على تفسيرها بما أفاده شيخنا العلامة فانه لا نظر لدليلها الى مدلول دليله اثباتاً وبما هو مدلول الدليل وان كان دالًا على الغاءه معها ثبوتاً وواقعاً الذي هو معنى الحكومة عندنا
خلافاً لصاحب الكفاية وغيره لمنافاة لزوم العمل بها مع لزوم العمل به لو كان على خلافها كما ان قضية دليله اثبات حكم للشاك الفاقد للواقع ومن الواضح ان لا موضوع له مع قيامها وأما ما أفاده صاحب الكفاية من ان قضية دليله الغائها كذلك فان كلًا من الدليلين بصدد بيان ما هو الوظيفة للجاهل فيطرد كل منها الاخر مع المخالفة لا أصل له لما عرفت من ترتب موضوع أحدهما على عدم الآخر وأن نظر أحدهما الى الواقع ونظر الآخر الى فاقده الشاك فعلًا فيه فكيف يطرد المطرود طارده في حال كونه مطروداً لا يمكنه الالتفات الى وراءه هذا مع لزوم اعتباره معها في صورة الموافقة بناءاً على الحكومة المعنى الاول لكون الحاكم والمحكوم في مرتبة واحدة وإنما كان حاكماً بنظره اليه في صورة المخالفة قال صاحب الكفاية: ولا أظن أن يلتزم به القائل بالحكومة، وفيه انه كما قال لو قلنا بالحكومة بذلك المعنى.
وأما لو قلنا بها بالمعنى الثاني فهي أعم مورداً من الاول لأنه ان كان موضوع الدليلين على النحو الذي نحن فيه سقط اعتباره مطلقاً موافقاً أو مخالفاً لقضاء الدليلن بترتب موضوعهما وجوداً وإن كان ناظراً أحدهما الى الآخر سقط في صورة المخالفة دون صورة الموافقة لأن الضرورة تقدر بقدرها والمتبع هو مقدار ما دل الدليل عليه لا أزيد فافهم فان المقام لا يخلو عن دقة واحفظ ذلك فانه ينفعك في مقامات عديدة.
هذا واما الطريق الثالث وهو التوفيق فان كان بما ذكرنا لا بما ذكر صاحب الكفاية فتعم الاتفاق وان كان بتخصيص دليله بدليلها فلا وجه له لما عرفت من انه لا يكون مع الأخذ به نقض يقين بشك حكماً لا واقعاً لا انه غير منهي عنه مع كونه من نقض اليقين بالشك على ما هو معنى التخصيص من الدخول موضوعاً والخروج حكماً وقد حققنا المقام على ما ينبغي.
خاتمة
حيث وقع التعرض لبيان نسبة الاستصحاب الى سائر الطرق والامارات لاقتضاء المقام لذلك استطراداً لا بأس ببيان النسبة بين الاستصحاب وسائر الأصول العملية وأهمهما بيان التعارض بين الاستصحابين. فنقول أما الاول فالنسبة بينه وبينها هي بعينها النسبة بين الامارة وبينه وما ذكرناه هناك من الملاك بعينه جار هنا لما عرفت من عدم رفض الواقع بالمرة في الاستصحاب فيقدم عليها ولا مورد معه لها لما قدمنا من اقتضاء الدليلين لذلك واستفادة ترتبهما موضوعاً من لفظه وللزوم محذور التخصيص إلا على وجه دائر في العكس وهو تخصيص دليله بدليل الاصول وعدم محذور فيه أصلًا لأنه تخصص هذا في الاصول النقلية كأصالة الاحتياط والتخيير والحلية، وأما الاصول العقلية التي ملاكها العلم باشتغال الذمة وفقد الحجة والبيان والمؤمن من العقاب وعدم وجود مرجح لأحد الطرفين فلا يكاد يشتبه وجه تقديمه عليها وانه للورود حقيقة بداهة عدم الموضوع معه لها ضرورة انه اتمام حجة فلا تشتغل الذمة إلا بمقداره وحصول الفراغ بقيامه يقيناً وبيان ومؤمن من العقوبة وبه الأمان ولا شبهة في أن الترجيح به عقلًا صحيح.
وأما الثاني وهو مقام التعارض فالتعارض بين الاستصحابين على نحوين وذلك انه ان كان لعدم امكان العمل بهما من دون علم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما كاستصحاب وجوب أمرين مثل انقاذ غريق وغيره سواء حدث بينهما التضاد في زمان الاستصحاب كما لو كان يتمكن من انقاذهما معاً حين الوقوع لقربهما الى الساحل جداً ولكن سقط التمكن حين الاستصحاب لبعدهما عنه أو كان التضاد بينهما من زمان مبدء الوجوب فهو من باب تزاحم الواجبين ولا تعارض أصلًا فانقدح انه ليس مراد صاحب الكفاية (قدس سره) حصر التضاد بما حصل في زمان الاستصحاب وإنما خصه تمثيلًا وان كان مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما بمعنى كونه هو السبب في التضاد للعلم بوحدة التكليف فتارة يكون المستصحب في أحدهما من الآثار الشرعية للمستصحب الآخر فيكون الشك فيه مسبباً عن الشك فيه كالشك في نجاسة الثوب المغسول بماء مشكوك الطهارة وقد كان طاهراً يقيناً كما كان الثوب قبل الغسل نجساً يقيناً فان الشك في نجاسة الثوب بعد الغسل مسبب عن الشك في طهارة الماء قبله وحينه ومن آثار طهارته المستصحبة طهارة الثوب وأخرى لا يكون ذلك بل يكون كلاهما مسبباً عن ثالث كالشك في طهارة البدن وبقاء الحدث عند الوضوء بمائع مشكوك المائية والبولية فان الشك في كلا الأمرين مسبب عن الشك في المائع نفسه في عرض واحد فان كان أحدهما أثراً للآخر وهو النحو الأول فلا مورد إلا
للاستصحاب في المسبب لما ذكرناه فيما سبق ضرورة ان استفادة ترتب موضوع أحد الدليلين على الآخر من لفظ الدليل لا يفترق فيه الحال بين كون المدلولين فردين لدليل واحد أو لدليلين مختلفين فان اعمال الاستصحاب في طرف المسبب موجب لسقوط معنى الدليل الحاكم بعدم الموضوع في طرف المسبب كما انه موجب لتخصيص الخطاب وجواز نقض اليقين بالشك في طرف السبب بعدم ترتيب أثره الشرعي فان من آثار طهارة الماء المستصحبة التي هي السبب طهارة الثوب المغسول به ودفع نجاسته فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته أي بطهارة الماء للزوم عدم ترتيب أثر استصحابها بخلاف استصحاب طهارته إذ لا يلزم منه نقض يقين بنجاسة الماء بالشك بل باليقين بما هو رافع لنجاسته وهو غسله بالماء المحكوم شرعاً بطهارته حدوثاً بالقطع وبقاءاً بالاستصحاب وبالجملة فكل من السبب والمسبب وان كان مورداً للاستصحاب لتحقق أركانه صورة في كل منهما إلا ان الاستصحاب في الأول مزيل لموضوع الآخر مضافاً الى انه بلا محذور بخلافه في الثاني ففيه محذور التخصيص بلا وجه بل بوجه قبيح إلا بنحو محال مستلزم للدور فاللازم هو الاخذ بالاستصحاب السببي.
نعم لو لم يجر هذا الاستصحاب بوجه اما لسقوط موضوعه أو غير ذلك لكان الاستصحاب المسببي جارياً كما عرفت في ملاقي أحد الإنائين وان استصحاب طهارته بلا معارض إلا مع تلف