على مجرد الصدور وان سلم ولكن لا يجدي نفعاً في رفع الاستدلال ضرورة انه بضميمة اصالة العدم عند الشك الى الترخيص المستفاد من الصدر صح الاستدلال وتم المطلوب فانه مضافاً الى انه خروج عن الاستدلال بالخبر الى الاستدلال بالأصل فاسد جداً ضرورة انه إذا كان مجرد الورود يكفي في رفع الترخيص كان معنى ذلك بدلالة الاقتضاء ان احتماله كافٍ في رفعه وإلا لكان وصوله شرطاً وقد فرض عدمه عند الخصمين معاً فلا مورد للاكتفاء بمجرد الورود وإلا إذا كان مجرد احتماله كافياً كما لا يخفى على ذي النظر الدقيق هذا مع ان الأصل بنفسه كافٍ في الحكم بالاباحة إذا بنى على مغايرته لأصل البراءة ولا يحتاج الى ضمه الى الخبر ضرورة انه إذا كان الحكم في كل ما شك في صدور النهي عنه اصالة عدم الصدور فهو يكفي في الحكم بالاباحة اذ لا أثر له سواها وإلا لم يجرِ، وأما ما يقال في الجواب من انه وان تم الاستدلال به بضميمتها ويحكم باباحة مجهول الحرمة واطلاقه إلا انه لا بعنوان انه مجهول الحرمة شرعاً بل بعنوان انه مما لم يرد عنه النهي واقعاً لا يقال نعم ولكنه لا يتفاوت الحال فيما هو المهم من الحكم بالاباحة في مجهول الحرمة سواء أكان بهذا العنوان أم بذاك العنوان؟ فانه يقال نعم ذلك مسلم لو كان اختلاف العنوانين بمجرد اللفظ من دون ترتب ثمرة عليه لا ما إذا كان اختلافاً معنوياً حيث انه لو كان بذاك العنوان وهو عنوان عدم الورود واقعاً لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلًا ولا يكاد
يعم ما إذا ورد النهي عنه في زمان واباحته في آخر واشتبها من حيث التقدم والتأخر بخلاف ما لو كان بعنوان مجهول الحرمة فانه يعم هذه الصورة لصدق العنوان عليها قطعاً حتى يعلم فعلية النهي لا يقال هذا مسلم لولا ضميمة ثالثة وهي عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته؟ فانه يقال وان لم يكن بينها الفصل إلا انه انما يجدي عدم القول بالفصل فيما كان المثبت للحكم بالاباحة في بعضها الدليل فيلحق به الباقي بعدم القول بالفصل لا فيما كان المثبت له هو الأصل كما في المقام حيث حكم بالاباحة ما شك في ورود النهي عنه واقعاً باصالة عدمه فلا يلحق به ما علم وروده في الجملة لمغايرته موضوعاً فافهم ففيه ما لا يخفى، فان صورة ورود النهي والاباحة مع جهل التاريخ لا تكون خارجة قطعاً ضرورة ان المراد من ورود النهي الذي جعل غاية ليس النهي الذي يحتمل نسخه أو المرتفعة علة تعلقه بل المراد هو النهي الذي لو علم به فعلًا لكان منجزاً ففي هذه الصورة انما يلحظ النهي الوارد بعد الاباحة لأن الوارد قبلها خارج موضوعاً عن الغاية فيجري فيه الأصل على حد غيره وتكون هذه الصورة من هذه الجهة كباقي الصور من غير تفاوت غاية الأمر ان الأصل مع احتمال سبق النهي على الاباحة معارض بمثله إلا ان ذلك لا يخرجه من حيث هو عن الدليل إذا أخذ بذاك العنوان فظهر ان جعل العنوان مجهول الحكم أو المشكوك ورود النهي فيه ليس إلا تفنن في العبارة ولا يترتب عليه ثمرة أصلًا. نعم إذا جعل الورود مجرد
الصدور كان جعله غاية للترخيص الفعلي دالًا بدلالة الاقتضاء على كفاية احتمال وروده مانعاً لما عرفت من عدم تعقل مورد واحد لجعله غاية بمجرد صدوره بعدما عرفت من ان المراد منه ما كان بحيث لو علم لتنجز وهذا عام لجميع الصور وحاصل المقام انه مع جعل الورود مجرد الصدور فأما ان نجري أصالة العدم عند الشك فتسقط الثمرة ويكون الدليل هو الأصل وهو كما ترى، وأما ان يكتفي بمجرد احتمال الورود في المنع من الترخيص وهو اقبح فساداً من الأول فتدبر ولا تكن من الغافلين وخذ ما اتيناك وكن من الشاكرين.
وأما الاجماع فقد نقل على البراءة إلا انه موهون وإن قيل باعتبار الاجماع المنقول في الجملة ضرورة ان اعتباره انما هو لكشفه عن رأي المعصوم وتحققه في المقام كذلك محل النظر فان تحصيله على وجه الكاشفية في مثل هذه المسألة مما للعقل فيه سبيل، ومن واضح النقل عليه دليل بعيد جداً لقرب احتمال استناد القائلين الى حكم العقل أو الموجود من أدلة النقل مما لا نراه دليلًا بعد اطلاعنا عليه فلا يكشف اتفاقهم في مثله عن رأيه أبداً.
وأما العقل فانه قد استقل بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه ضرورة ان العقاب عقلًا والوعيد به نقلًا انما هو على معصية العبد وتجريه على مولاه وليس مطلق المخالفة معصية بل المعصية مخالفة
التكليف المعلوم عن عمد فلا عقاب ولا مؤاخذة إلا على هذه المخالفة المتوقف تحققها على وجود الحجة ووصولها الى المكلف ووقوعها عن عمد فانهما من دونها أي من دون الحجة عقاب بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان ومن دون وقوعها عن عمد عقاب بلا عصيان ومؤاخذة بلا تجرِّ ولا طغيان وكل ذلك خلاف العدل تعالى عنه الاعز الاجل وهما قبيحان بشهادة الوجدان فكيف من مثله يصدران؟! ولا يخفى عليك انه مع استقلاله بذلك يزول موضوع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ان أريد به ضرر العقوبة على مخالفته ضرورة انه لا احتمال لضرر العقوبة حينئذ في مخالفته فلا يكون مجال هنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كي يتوهم انها تكون بياناً للتكليف فتكون العقوبة بعد قيام الحجة اذ لا يراد من الحجة والبيان إلا ما كان مصححاً للعقاب ورافعاً لقبحه ولو بمحض الاحتمال كما هو كذلك في الشبهة الحكمية قبل الفحص أو بعده قبل اليائس وبالجملة فلا موضوع للقاعدة المذكورة كما انه مع التنزيل عن ذلك وتسليم احتماله لا حاجة في ثبوت استحقاق العقاب الى القاعدة بل في صورة المصادفة للواقع لو أقدم مع هذا الاحتمال استحق العبد العقوبة على المخالفة، ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل فان من احتمل ان في طريقه بئراً يقع فيها بسلوكه فانه يقع لو صادف احتماله الواقع عند السلوك ولا يتوقف وقوعه على حكم العقل بوجوب الدفع بل يقع وان حكم بعدم وجوبه
والسر في ذلك بالنسبة الى ما نحن فيه بعد وضوح الفرق بينه وبين الضرر الخارجي الذي لا يتوقف الوقوع فيه إلا على وجوده بخلاف ضرر العقوبة لتوقف الوقوع فيه على استحقاق العبد له ويشكل الاستحقاق مع حصول الامن في الاقدام لحكم العقل بجوازه لا المحتمل نفسه لو كان له واقع فاحتمال العقوبة هو الحكم عينه باستحقاق القادم لها على المخالفة مع احتمالها وان جاز له الاقدام عقلًا اذ لو كان جواز الاقدام منافياً لاحتمالها سقط الغرض غاية الأمر ان من أقدم فصادف لا يستحق الذم من العقلاء بواسطة حكم العقل بعدم وجوب الدفع لا انه لا يستحق العقوبة المحتملة كما لا يخفى على الناقد البصير. هذا كله في ضرر العقوبة وأما ضرر غير العقوبة فهو وان كان محتملًا إلا ان المتيقن منه عند صاحب الكفاية فضلًا عن المحتمل ليس بواجب الدفع شرعاً ولا عقلًا ضرورة عدم القبح في تحمل بعض المضار ببعض الدواعي عقلًا وجوازه شرعاً هذا مع ان احتمال الضرر انما جاء من قبل احتمال الحرمة أو الوجوب. والتحقيق ان احتمالهما لا يلازم احتمال المضرة وان كان ملازماً لاحتمال المفسدة بالنسبة الى الحرمة أو ترك المصلحة بالنسبة الى الوجوب وانما لا يلازم احتمال المضرة لوضوح ان المصالح والمفاسد التي تكون مناطات الاحكام وقد استقل العقل بحسن الافعال التي تكون ذات المصالح وقبح ما كان ذات المفاسد ليست براجعة الى المنافع والمضار وكثيراً ما يكون محتمل التكليف مأمون
الضرر كنكاح المحتمل كونها اجنبية مثلًا، نعم ربما يكون المنفعة أو المضرة مناطاً للحكم شرعاً. ان قلت نعم ما ذكرته مسلم ولكن لا يجدي نفعاً اذ لا فرق بين كون المناط من قبيل المضار أو من قبيل المفاسد من حيث حكم العقل بوجوب الدفع حيث ان العقل يستقل بقبح الاقدام على ما لا يؤمن مفسدته أو انه كالاقدام على ما علم مفسدته كما استدل به شيخ الطائفة (قدس سره) على ان الاشياء على الخطر حتى يثبت الاباحة أو الوقف حتى يثبت الرخصة؟ قلت: استقلاله بذلك ممنوع والسند شهادة الوجدان ومراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل والاديان حيث إنهم لا يحترزون مما لا يومن مفسدته ولا يعاملون معه معاملة ما علم مفسدته كيف وقد اذن الشارع بالاقدام عليه ولا يكاد يأذن بارتكاب القبيح هذا ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) وفيه مواقع للتأمل:
أحدها: ما ذكره من منع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المقطوع فضلًا عن المحتمل والحكم بجوازه شرعاً. وفيه ان لزوم حفظ النفس ودفع الضرر عنها أمر مودع في طباع سائر أنواع الحيوان فضلًا عن الانسان وقد نفي الخلاف شيخنا العلامة بينهم كما ان سلوك الطريق المقطوع الضرر أو مظنونه معصية يجب فيه اتمام الصلاة وقد قال عز من قائل: [ولا تُلْقُوا بِايْدِيكُمْ إلى التّهلُكَةِ] وبمضمون ذلك أخبار كثيرة في باب الحج والصوم وغيرهما وما يراه من اقدام بعض العقلاء على بعض المضار لبعض الدواعي فلا يشهد
له بشيء ضرورة ان هذا الاقدام أما لغلبة جهة المنفعة على جهة المضرة فيتبعها الحكم وأما لعدم المبالاة كاقدامهم على ما يقطع معه بالعقوبة وهذا مما لا ينبغي ان يخفى على مثله، نعم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ربما يناقش فيه والحق وجوب دفعه فان منا ط حكم العقل هو خوف الوقوع وعدم الامن وهو يجتمع مع الاحوال الثلاثة كما جعل الخوف أيضاً موضوعاً لحكم شرعي كالافطار.
ثانيها: ما ذكره من عدم ملازمة احتمال الحرمة لاحتمال المضرة استناداً الى عدم كون المفاسد من قبيل المضار.
وفيه أولًا ان حكمه بعدم الملازمة يناقض حكمه اخيراً بانه ربما يكون المضرة مناطاً للحكم شرعاً فان جعلها مناطاً ولو في مورد واحد يكفي في تحقق احتمالها حال الجهل بكون المناط من أي قبيل. وثانياً ان ما ذكره في مناطات الاحكام مسلم إلا ان المفاسد أيضاً من قبيل المضار غاية الأمر ان المضار تارة تكون خارجية يدرك العقل جهة ضروريتها وتارة تكون معنونة لا يدرك العقل جهة كونها ضارة فيحتاج الى كشف الشارع عن ذلك فإذا دخلت في موضوع الضرر وجب الدفع عقلًا. وثالثاً سلمنا ان عنوان المفسدة غير عنوان الضرر إلا ان الحكم بعدم وجوب دفع المفسدة مساوق للحكم بمنع الملازمة بين حكم الشارع والعقل في الجهة المتفق عليها بين جميع علماء الاسلام وهي ان كلما حكم به الشرع حكم به العقل لو اطلع عليه
فجعلها من قبيل المفسدة بجعلها أولى بوجوب الدفع وحال ما لا يؤمن مفسدته كحال ما علم، نعم اذن الشارع في الاقتحام يكشف بطريق القطع عن عدم المحذور في الوقوع في تلك المفسدة أما لعدم كونها بحيث يجب التحرز عنها أو لكونها متداركة أو لكون المصلحة الداعية الى الاذن غالبة على تلك المفسدة وعلى جميع التقادير لا يبقى بعد اذنه ملاك للعقل يحكم معه بوجوب الدفع.
ثالثها: ما ذكره من شهادة الوجدان وما عليه عقلاء سائر الملل والاديان فانا راجعنا وجداننا فشهد بالعكس وراجعنا ما عليه العقلاء فوجدناهم كما وجدنا أنفسنا إلا من لا مبالاة له بنفسه من وقوعها في كل ضرر دنيوي أو آخروي يتحمل ذلك كله لبعض الشهوات النفسية الداعية الى ذلك كشارب الخمر مع ظنه انه قد يصدر منه قتل ولده.
رابعها: ما ذكره من الاستدلال على عدم وجوب دفع الضرر المحتمل من ان الشارع اذن به ولا يأذن بقبيح. وفيه انه إنما يشهد على ان ما اذن فيه لا يحتمل فيه الضرر أو المفسدة الواجب دفعها لا على ان ما يحتمل فيه لا يجب دفعه ويجوز ارتكابه وبين المعنيين بعد المشرقين كما هو أوضح من ان يخفى اليه اشارة.
خامسها: ما يظهر منه من تسليم جريان ديدن العقلاء على عدم الاقدام على ما علم إنه مفسدة دون ما علم انه مضرة مع ان كون الاقدام مشتملًا على المفسدة اهون عند العقل والعقلاء من