بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 241

يعم ما إذا ورد النهي عنه في زمان واباحته في آخر واشتبها من حيث التقدم والتأخر بخلاف ما لو كان بعنوان مجهول الحرمة فانه يعم هذه الصورة لصدق العنوان عليها قطعاً حتى يعلم فعلية النهي لا يقال هذا مسلم لولا ضميمة ثالثة وهي عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته؟ فانه يقال وان لم يكن بينها الفصل إلا انه انما يجدي عدم القول بالفصل فيما كان المثبت للحكم بالاباحة في بعضها الدليل فيلحق به الباقي بعدم القول بالفصل لا فيما كان المثبت له هو الأصل كما في المقام حيث حكم بالاباحة ما شك في ورود النهي عنه واقعاً باصالة عدمه فلا يلحق به ما علم وروده في الجملة لمغايرته موضوعاً فافهم ففيه ما لا يخفى، فان صورة ورود النهي والاباحة مع جهل التاريخ لا تكون خارجة قطعاً ضرورة ان المراد من ورود النهي الذي جعل غاية ليس النهي الذي يحتمل نسخه أو المرتفعة علة تعلقه بل المراد هو النهي الذي لو علم به فعلًا لكان منجزاً ففي هذه الصورة انما يلحظ النهي الوارد بعد الاباحة لأن الوارد قبلها خارج موضوعاً عن الغاية فيجري فيه الأصل على حد غيره وتكون هذه الصورة من هذه الجهة كباقي الصور من غير تفاوت غاية الأمر ان الأصل مع احتمال سبق النهي على الاباحة معارض بمثله إلا ان ذلك لا يخرجه من حيث هو عن الدليل إذا أخذ بذاك العنوان فظهر ان جعل العنوان مجهول الحكم أو المشكوك ورود النهي فيه ليس إلا تفنن في العبارة ولا يترتب عليه ثمرة أصلًا. نعم إذا جعل الورود مجرد


صفحه 242

الصدور كان جعله غاية للترخيص الفعلي دالًا بدلالة الاقتضاء على كفاية احتمال وروده مانعاً لما عرفت من عدم تعقل مورد واحد لجعله غاية بمجرد صدوره بعدما عرفت من ان المراد منه ما كان بحيث لو علم لتنجز وهذا عام لجميع الصور وحاصل المقام انه مع جعل الورود مجرد الصدور فأما ان نجري أصالة العدم عند الشك فتسقط الثمرة ويكون الدليل هو الأصل وهو كما ترى، وأما ان يكتفي بمجرد احتمال الورود في المنع من الترخيص وهو اقبح فساداً من الأول فتدبر ولا تكن من الغافلين وخذ ما اتيناك وكن من الشاكرين.

وأما الاجماع فقد نقل على البراءة إلا انه موهون وإن قيل باعتبار الاجماع المنقول في الجملة ضرورة ان اعتباره انما هو لكشفه عن رأي المعصوم وتحققه في المقام كذلك محل النظر فان تحصيله على وجه الكاشفية في مثل هذه المسألة مما للعقل فيه سبيل، ومن واضح النقل عليه دليل بعيد جداً لقرب احتمال استناد القائلين الى حكم العقل أو الموجود من أدلة النقل مما لا نراه دليلًا بعد اطلاعنا عليه فلا يكشف اتفاقهم في مثله عن رأيه أبداً.

وأما العقل فانه قد استقل بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه ضرورة ان العقاب عقلًا والوعيد به نقلًا انما هو على معصية العبد وتجريه على مولاه وليس مطلق المخالفة معصية بل المعصية مخالفة


صفحه 243

التكليف المعلوم عن عمد فلا عقاب ولا مؤاخذة إلا على هذه المخالفة المتوقف تحققها على وجود الحجة ووصولها الى المكلف ووقوعها عن عمد فانهما من دونها أي من دون الحجة عقاب بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان ومن دون وقوعها عن عمد عقاب بلا عصيان ومؤاخذة بلا تجرِّ ولا طغيان وكل ذلك خلاف العدل تعالى عنه الاعز الاجل وهما قبيحان بشهادة الوجدان فكيف من مثله يصدران؟! ولا يخفى عليك انه مع استقلاله بذلك يزول موضوع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ان أريد به ضرر العقوبة على مخالفته ضرورة انه لا احتمال لضرر العقوبة حينئذ في مخالفته فلا يكون مجال هنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كي يتوهم انها تكون بياناً للتكليف فتكون العقوبة بعد قيام الحجة اذ لا يراد من الحجة والبيان إلا ما كان مصححاً للعقاب ورافعاً لقبحه ولو بمحض الاحتمال كما هو كذلك في الشبهة الحكمية قبل الفحص أو بعده قبل اليائس وبالجملة فلا موضوع للقاعدة المذكورة كما انه مع التنزيل عن ذلك وتسليم احتماله لا حاجة في ثبوت استحقاق العقاب الى القاعدة بل في صورة المصادفة للواقع لو أقدم مع هذا الاحتمال استحق العبد العقوبة على المخالفة، ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل فان من احتمل ان في طريقه بئراً يقع فيها بسلوكه فانه يقع لو صادف احتماله الواقع عند السلوك ولا يتوقف وقوعه على حكم العقل بوجوب الدفع بل يقع وان حكم بعدم وجوبه‌


صفحه 244

والسر في ذلك بالنسبة الى ما نحن فيه بعد وضوح الفرق بينه وبين الضرر الخارجي الذي لا يتوقف الوقوع فيه إلا على وجوده بخلاف ضرر العقوبة لتوقف الوقوع فيه على استحقاق العبد له ويشكل الاستحقاق مع حصول الامن في الاقدام لحكم العقل بجوازه لا المحتمل نفسه لو كان له واقع فاحتمال العقوبة هو الحكم عينه باستحقاق القادم لها على المخالفة مع احتمالها وان جاز له الاقدام عقلًا اذ لو كان جواز الاقدام منافياً لاحتمالها سقط الغرض غاية الأمر ان من أقدم فصادف لا يستحق الذم من العقلاء بواسطة حكم العقل بعدم وجوب الدفع لا انه لا يستحق العقوبة المحتملة كما لا يخفى على الناقد البصير. هذا كله في ضرر العقوبة وأما ضرر غير العقوبة فهو وان كان محتملًا إلا ان المتيقن منه عند صاحب الكفاية فضلًا عن المحتمل ليس بواجب الدفع شرعاً ولا عقلًا ضرورة عدم القبح في تحمل بعض المضار ببعض الدواعي عقلًا وجوازه شرعاً هذا مع ان احتمال الضرر انما جاء من قبل احتمال الحرمة أو الوجوب. والتحقيق ان احتمالهما لا يلازم احتمال المضرة وان كان ملازماً لاحتمال المفسدة بالنسبة الى الحرمة أو ترك المصلحة بالنسبة الى الوجوب وانما لا يلازم احتمال المضرة لوضوح ان المصالح والمفاسد التي تكون مناطات الاحكام وقد استقل العقل بحسن الافعال التي تكون ذات المصالح وقبح ما كان ذات المفاسد ليست براجعة الى المنافع والمضار وكثيراً ما يكون محتمل التكليف مأمون‌


صفحه 245

الضرر كنكاح المحتمل كونها اجنبية مثلًا، نعم ربما يكون المنفعة أو المضرة مناطاً للحكم شرعاً. ان قلت نعم ما ذكرته مسلم ولكن لا يجدي نفعاً اذ لا فرق بين كون المناط من قبيل المضار أو من قبيل المفاسد من حيث حكم العقل بوجوب الدفع حيث ان العقل يستقل بقبح الاقدام على ما لا يؤمن مفسدته أو انه كالاقدام على ما علم مفسدته كما استدل به شيخ الطائفة (قدس سره) على ان الاشياء على الخطر حتى يثبت الاباحة أو الوقف حتى يثبت الرخصة؟ قلت: استقلاله بذلك ممنوع والسند شهادة الوجدان ومراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل والاديان حيث إنهم لا يحترزون مما لا يومن مفسدته ولا يعاملون معه معاملة ما علم مفسدته كيف وقد اذن الشارع بالاقدام عليه ولا يكاد يأذن بارتكاب القبيح هذا ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) وفيه مواقع للتأمل:

أحدها: ما ذكره من منع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المقطوع فضلًا عن المحتمل والحكم بجوازه شرعاً. وفيه ان لزوم حفظ النفس ودفع الضرر عنها أمر مودع في طباع سائر أنواع الحيوان فضلًا عن الانسان وقد نفي الخلاف شيخنا العلامة بينهم كما ان سلوك الطريق المقطوع الضرر أو مظنونه معصية يجب فيه اتمام الصلاة وقد قال عز من قائل: [ولا تُلْقُوا بِايْدِيكُمْ إلى التّهلُكَةِ] وبمضمون ذلك أخبار كثيرة في باب الحج والصوم وغيرهما وما يراه من اقدام بعض العقلاء على بعض المضار لبعض الدواعي فلا يشهد


صفحه 246

له بشي‌ء ضرورة ان هذا الاقدام أما لغلبة جهة المنفعة على جهة المضرة فيتبعها الحكم وأما لعدم المبالاة كاقدامهم على ما يقطع معه بالعقوبة وهذا مما لا ينبغي ان يخفى على مثله، نعم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ربما يناقش فيه والحق وجوب دفعه فان منا ط حكم العقل هو خوف الوقوع وعدم الامن وهو يجتمع مع الاحوال الثلاثة كما جعل الخوف أيضاً موضوعاً لحكم شرعي كالافطار.

ثانيها: ما ذكره من عدم ملازمة احتمال الحرمة لاحتمال المضرة استناداً الى عدم كون المفاسد من قبيل المضار.

وفيه أولًا ان حكمه بعدم الملازمة يناقض حكمه اخيراً بانه ربما يكون المضرة مناطاً للحكم شرعاً فان جعلها مناطاً ولو في مورد واحد يكفي في تحقق احتمالها حال الجهل بكون المناط من أي قبيل. وثانياً ان ما ذكره في مناطات الاحكام مسلم إلا ان المفاسد أيضاً من قبيل المضار غاية الأمر ان المضار تارة تكون خارجية يدرك العقل جهة ضروريتها وتارة تكون معنونة لا يدرك العقل جهة كونها ضارة فيحتاج الى كشف الشارع عن ذلك فإذا دخلت في موضوع الضرر وجب الدفع عقلًا. وثالثاً سلمنا ان عنوان المفسدة غير عنوان الضرر إلا ان الحكم بعدم وجوب دفع المفسدة مساوق للحكم بمنع الملازمة بين حكم الشارع والعقل في الجهة المتفق عليها بين جميع علماء الاسلام وهي ان كلما حكم به الشرع حكم به العقل لو اطلع عليه‌


صفحه 247

فجعلها من قبيل المفسدة بجعلها أولى بوجوب الدفع وحال ما لا يؤمن مفسدته كحال ما علم، نعم اذن الشارع في الاقتحام يكشف بطريق القطع عن عدم المحذور في الوقوع في تلك المفسدة أما لعدم كونها بحيث يجب التحرز عنها أو لكونها متداركة أو لكون المصلحة الداعية الى الاذن غالبة على تلك المفسدة وعلى جميع التقادير لا يبقى بعد اذنه ملاك للعقل يحكم معه بوجوب الدفع.

ثالثها: ما ذكره من شهادة الوجدان وما عليه عقلاء سائر الملل والاديان فانا راجعنا وجداننا فشهد بالعكس وراجعنا ما عليه العقلاء فوجدناهم كما وجدنا أنفسنا إلا من لا مبالاة له بنفسه من وقوعها في كل ضرر دنيوي أو آخروي يتحمل ذلك كله لبعض الشهوات النفسية الداعية الى ذلك كشارب الخمر مع ظنه انه قد يصدر منه قتل ولده.

رابعها: ما ذكره من الاستدلال على عدم وجوب دفع الضرر المحتمل من ان الشارع اذن به ولا يأذن بقبيح. وفيه انه إنما يشهد على ان ما اذن فيه لا يحتمل فيه الضرر أو المفسدة الواجب دفعها لا على ان ما يحتمل فيه لا يجب دفعه ويجوز ارتكابه وبين المعنيين بعد المشرقين كما هو أوضح من ان يخفى اليه اشارة.

خامسها: ما يظهر منه من تسليم جريان ديدن العقلاء على عدم الاقدام على ما علم إنه مفسدة دون ما علم انه مضرة مع ان كون الاقدام مشتملًا على المفسدة اهون عند العقل والعقلاء من‌


صفحه 248

اشتماله على المضرة بعد فرض تغايرهما بل واجتماع النفع مع المفسدة فكيف يحكم بوجوب دفع هذه دون هذه مع انه انما جعل المضار من قبيل المفاسد تخلصاً من تحقق احتمال الضرر لو سلم وجوب دفعه الى احتمال ما لا يوجب دفعه قطعاً مع ان دفع المفسدة المحتملة بعد الاعتراف بوجوب دفع المتيقنة أولى بالحكم بالوجوب من دفع المضرة المحتملة بعد الاعتراف بحكم العقل بعدم وجوب دفع المتيقنة فتدبر فانه دقيق جداً [ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا] هذا الباب ما ينبغي الاستدلال به على البراءة وقد استدل بآيات وأخبار وأصول كثيرة غير ما ذكرنا ولطول ما فيها من الكلام في النقض والابرام رأينا الاعراض عنها أوقع والاشتغال بغيرها أنفع.

واحتج للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجة على التكليف بالادلة الثلاثة الكتاب والسنة ودليل العقل أما بالكتاب فالآيات الناهية عن القول بغير العلم مثل [أتَقُولُونَ عَلى الله مَا لا تَعْلَمُون‌] و [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‌] وغير ذلك وكذا الناهية عن الالقاء للنفس في التهلكة مثل: [ولا تُلْقُوا بايْدِيكُمْ الى التهْلُكَةِ] وكذا الآيات الآمرة بالتقوى مثل [اتّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ‌] و [فاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‌] و [وجَاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ‌] وغير ذلك فان الحكم باباحة محتمل الحرمة قول بغير علم بخلاف تركه لاحتمالها والقاء للنفس في تهلكة العقاب والضرر أو المفسدة في الفعل القاضيين بتحريمه لو صادف الواقع وخلاف تقوى الله حق‌