بالوجدان من نقض اليقين بالظن لا بالشك وان آل اليه ويمكن ان يقال بشمول الدليل للشك الاولي واليقين الاولي بتنقيح المناط فيكفي حينئذ عن اليقين بالحكم الظن به إذا كان متيقن الاعتبار فيقوم مقام الركن الاول في الاستصحاب كما يكفي عن الشك فيه الظن به إذا كان مشكوك الاعتبار فيقوم الظن مقام الركن الثاني ويرجع معنى (لا تنقض اليقين بالشك) في مثل هذا الظن الى عدم جواز نقض متيقن الاعتبار بمشكوكه حيث يجتمعان ولا معنى لذلك إلا وجوب ترتيب آثار اليقين بالاعتبار وهي ثبوت متعلق الظن المتيقن الاعتبار حدوثاً وبقاء بنفسه إذا كان حكماً وبأثره إذا كان موضوعاً هذا إذا اجتمعا بأن ظن بظن متيقن الاعتبار بحكم ثم ظن بظن مشكوك الاعتبار ببقاءه ومنه يعلم صورة الافتراق واجتماع المشكوك الاعتبار مع اليقين الواقعي والمقطوع الاعتبار مع الشك الواقعي فافهم واغتنم وتأمل واستقم فانه جداً دقيق وبذلك حقيق ..
التاسع عشر من التنبيهات: لا يخفى انه لو قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الظن اما لبناء العقلاء أو لكون المستفاد من الاخبار ذلك فهل المعتبر هو الظن الشخصي أو يكفي النوعي؟ ظاهر المحكي عن شيخنا البهائي وشارح الدروس والشهيد في الذكرى هو الأول بل ظاهر الثالث ذلك مع كون دليله الاخبار وظاهر شيخنا العلامة وفاقاً لظاهر من تقدمه هو الثاني بل ظاهر بعض المتأخرين دعوى الاجماع عليه بناءاً على استفادته من الاخبار كما عرفت في
التنبيه السابق حيث ادعى الاجماع على اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف ممن قال باعتباره من الاخبار ولم يفرق بين القول به تعبداً أو من باب الظن والانصاف انه ان كان مدرك الاعتبار له كذلك بناء العقلاء فالمعتبر هو الظن الشخصي وان كان مدركه الاخبار ولو مع ضميمة بناء العقلاء فالمعتبر ليس إلا النوعي اما الأول فلشهادة الوجدان بان العقلاء إنما يعملون بما يحصل لهم من الظن بالبقاء ولا نرى واحداً منهم يعمل بذلك مع ظن الخلاف.
واما الثاني فلظهور الاخبار في انها على نهج ما دل على غير الاستصحاب من الظنون بل ظهور بعضها جداً في انها على ما ورد في تعليل قاعدة الفراغ من انه حين يتوضأ اذكر منه حين يشك ومن ذلك يعلم ان ارادة مطلق ما عدا اليقين من لفظ الشك في هذه الاخبار لا دلالة له على اعتبار الاستصحاب من باب التعبد ليس غير لعدم ارادة ذلك لاعتباره من باب الظن النوعي.
نعم هي صريحه في عدم اعتبار الظن الشخصي فالعجب مما يظهر من شيخنا الشهيد كما تقدم حيث اعتبر الشخصي مع تعبيره بما يظهر منه ان الدليل هو الاخبار فلاحظ.
العشرون من التنبيهات: لا يخفى انه ربما وقع التعبير باستصحاب الحال كما في محكي العدة أو باستصحاب حال الاجماع أو الشرع كما في محكي المعارج وغيره أو باستصحاب حال العقل والظاهر ان المراد من الحال في الأول هي الحالة السابقة كما هو
صريح عبارته واما المراد باستصحاب حال الاجماع فهو استصحاب الحال التي كان منشأ اليقين بالحكم فيها أو بالموضوع ذي الحكم هو الاجماع المقتصر في الآخذية على القدر المتيقن وحيث كان اليقين أحد ركني الاجماع ولا يقين إلا إذا كان الدليل هو الاجماع والعقل عبر باستصحاب حالهما ولما كان الغالب هو الاجماع وان القضية العقلية كعدم التكليف حال الصغر مثلًا إنما تستصحب على بعض الوجوه لا مطلقاً اقتصر بعضهم على التعبير باستصحاب حال الاجماع خاصة تنزيلًا للفرد النادر منزلية المعدوم وهذا واضح، ويحتمل بل لعله الأظهر ان يراد به استصحاب حال الحكم المختصة دلالة دليله عليه بالحال الأول وحيث كان أظهرها الاجماع عبر به.
الحادي والعشرون من التنبيهات: قد يطلق الاستصحاب ويراد به استصحاب عموم النص واطلاقه وربما جعله البعض قسماً برأسه وقال بحجيته وانكر حجية غيره حتى نسب اليه القول بالتفصيل في حجية الاستصحاب كالغزالي. والتحقيق ان الأخذ بعموم النص في مورد الشك في التخصيص أو باطلاقه في مورد الشك في التقييد ليس من الاستصحاب الحقيقي أصلًا وإنما هي قاعدة عقلية عليها استقر بناء العقلاء في محاوراتهم وفي كل مكان وإلا فلا يقين بالعموم والاطلاق إلا في نادر من الموارد لاحتمال سبق المخصص والمقيد صدوراً على صدور العام وهذا في غاية الوضوح ولا ينبغي اطالة الكلام فيه.
تتمة
لا يذهب عليك ان معنى الاستصحاب لما كان هو اثبات الحكم في مورد الشك فلابد فيه من بقاء الموضوع هذا بحسب مقومات ذاته واما بحسب مقام تحققه فقد عرفت تأخره مرتبة عما نصب طريقاً الى الواقع مزيلًا للشك حقيقة أو حكماً فلابد فيه من عدم امارة معتبرة هناك ولو على وفاقه فان الموافقة في المؤدى لا يلزمها الموافقة في المرتبة فههنا مقامان:
المقام الأول
في بقاء الموضوع
اعلم انه لا اشكال في اعتبار بقاء الموضوع بمعنى اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة موضوعاً كاتحادهما حكماً ضرورة انه قد عرفت ان محل الاستصحاب هو الشك في البقاء ومن دونه أي من دون الاتحاد لا يكون الشك في البقاء بل في الحدوث ولا يكون أيضاً رفع اليد عن اليقين في محل الشك مع اختلاف متعلقهما وعدم اتحاده من نقض اليقين بالشك إذ لا ينتقض اليقين بوجوب الصلاة مثلًا بالشك في وجوب موضوع آخر إذا لم يرتب عليه فاعتبار البقاء بهذا المعنى
لا يحتاج الى زيادة بيان واقامة برهان المراد بالموضوع هو معروض المستصحب الذي تعتور عليه الحالتان اليقين والشك في القضية المتيقنة والمشكوكة فإذا حصل اليقين بحياة زيد ثم شك في بقائها فالموضوع المشترط بقائه هو زيد الذي هو معروض الحياة المتيقنة والمشكوكة لا حياة زيد إذ لا يعقل اشتراط بقائها مع كون الشك إنما هو في بقائها واما الاستدلال عليه باستحالة انتقال العرض من دون جوهرة الى موضوع آخر لتقومه بالموضوع وتشخصه به فهو غريب عند بداهة ان امتناعه عقلًا واستحالته حقيقة غير مستلزم لاستحالته تعبداً والالتزام بآثاره شرعاً وفيه انه غريب من مثل صاحب الكفاية ضرورة ان الحكم بالالتزام بآثاره تعبداً إنما يتصور إذا كان بلسان الحكم ببقاء موضوعه وجوهره تعبداً فالتعبد إنما هو بقاء الموضوع الراجع الى التعبد بالالتزام بآثاره في مورد الشك ولذا لم تجد أثراً ولا خبراً مما دل على التنزيل والتعبد إلا على هذا النهج واما الحكم بالالتزام تعبداً من دون تنزيل للموضوع فهو محال لاستلزامه تحقق الحكم والعرض بلا موضوع وجوهر وهو غير معقول ولا معنى للتعبد بغير المعقول وإلا لترتب على الحكم بامكان ذلك ما لا يرضى به الحاكم بالامكان واما الحكم بالالتزام بمثل تلك الآثار في مورد الشك فهو ممكن إلا انه خارج عن محل الكلام ضرورة ان محل الكلام ما يعطي لسان الدليل فيه ثبوت شخص ذلك الحكم في مورد الشك وإلا فلا يتصور معنى للنقض وعدمه لو أريد غيره هذا إذا
كان بقاء الموضوع بهذا المعنى واما إذا كان بمعنى احراز وجود الموضوع الفعلي خارجاً فلا يعتبر قطعاً في أصل جريانه لتحقق اركانه من دونه.
نعم ربما يكون مما لابد منه في بعض الآثار، والحاصل بقاء الموضوع واحرازه ولو بالاستصحاب شرط في الاستصحاب واما وجوده فليس بشرط ولكن يختلف الحال باختلاف الآثار ففي مثل استصحاب عدالة زيد بناءاً على جواز تقليد الميت إذا كان عدلًا لا يحتاج الى احراز وجود زيد في الخارج وحياته لجواز تقليده أو لقبول خبر يرويه وما اشبه ذلك وان كان محتاجاً اليه في آثار أخر مثل جواز الاقتداء به أو وجوب اكرامه أو الانفاق عليه أو استئجاره للعبادات نائباً وغير ذلك وإنما الاشكال كله في ان هذا الاتحاد ما الضابط فيه وانه هل هو بنظر العرف أو بحسب لسان دليل الحكم أو بنظر العقل؟ والفرق بين الانحاء الثلاثة يعلم من بيان حال كل واحد منها فلو كان مناط الاتحاد نظر العقل فلا مجال للاستصحاب في الاحكام لقيام احتمال تغير الموضوع في كل مقام شك في بقاء الحكم بزوال بعض خصوصيات موضوعه كزوال حالة العنبية وتبدلها بالزبيبية لاحتمال دخله فيه بل وكذا في الموضوعات إذا كان الشك لزوال بعض اجزائها كما لو أخذ شيء من متيقن الكرية ويختص بالموضوعات التي لا يكون منشأ الشك فيها ذلك كحياة زيد مثلًا بداهة انه إذا شك الانسان في بقاء حياة زيد فقد شك في ما كان على يقين منه حقيقة وهذا بخلاف ما لو كان مناط الاتحاد بنظر
العرف أو بحسب لسان الدليل فان ذلك لا يمنع من الجريان ضرورة ان انتفاء بعض الخصوصيات وان كان موجباً للشك في بقاء الحكم لاحتمال دخله في موضوعه بما هو موضوعه إلا انه ربما لا يكون بنظر العرف ولا في لسان الدليل إذ ربما لا يكون موضوع الدليل من مقوماته كما انه يختلف الحال بين كون المناط بنظر العرف أو بحسب لسان الدليل إذ ربما لا يكون موضوع الدليل بنظر العرف بخصوصه المأخوذ في الدليل موضوعاً مثلًا إذا ورد العنب إذا غلى يحرم كان الموضوع في لسان الدليل هو العنب ومن المعلوم ان المرجع في فهم ما هو الظاهر منه هو العرف وكان بحسب ما هو المفهوم منه عرفاً هو خصوص العنب ولكن العرف بحسب ما يرتكز في اذهانهم ويتخيلونه في افكارهم بما يدركونه من المناسبات بين الحكم وموضوعه يجعلون الموضوع للحرمة ما يعم الزبيب بمعنى انه ذات العنب لا بوصف العنبية ويرون صفتي العنبية والزبيبية من حالاته المتبادلة بحيث لو لم يكن الزبيب محكوماً بحكم العنب كان عندهم من ارتفاع الحكم عن موضوعه وكان الدال على ذلك في حكم المخصص لما دل على حكم مطلق العنب ولو كان محكوماً به بعينه كان من بقاءه ولا خير في اختلاف ما يفهمونه من لفظ الدليل مع ما يبنون عليه الأمر من حيث الارتكاز بمعنى ان يكون الدليل بحسب فهمهم على خلاف ما ارتكز في اذهانهم بسبب ما تخيلوه من الجهات والمناسبات فيما إذا لم يكن ما تخيلوه من تلك المناسبات بمثابة يصلح بها ان يكون قرينه على صرفه عما هو ظاهر فيه وإلا اتحد المأخوذ في لسان الدليل مع ما هو
بنظر العرف فالموضوع بحسب ما يفهمونه غيره بحسب ما يتخيلونه، فاندفع ما ربما يتوهم من عدم الوجه لجعل نظر العرف نحواً مستقلًا مع كون المرجع في المأخوذ في لسان الدليل الى العرف أيضاً ولا يخفى عليك ان النقض وعدمه حقيقة يختلف بحسب الملحوظ من الموضوع فيكون نقضاً بلحاظ موضوع ولا يكون نقضاً بلحاظ موضوع آخر كما عرفت في العنب الزبيب فإنه نقض بلحاظ الموضوع عرفاً وليس ينقض بلحاظه دليلًا فلابد في تعيين أن المناط في الاتحاد وهو الموضوع العرفي أو غيره من الشقين الاخرين من بيان أن خطاب لا تنقض قد سبق بأي لحاظ فالتحقيق أن يقال أن قضية أطلاق خطاب لا تنقض هو أن يكون قد سبق بلحاظ الموضوع العرفي لأنه هو المنساق من الاطلاق في المحاورات العرفية منها الخطابات الشرعية وصار كأنه هو الأصل فيها فما لم يكن هناك دلالة على أن النهي عن النقض فيه بنظر أخر غير ماهو الملحوظ في محاوراتهم لا محيص عن الحمل على انه قد سبق بذاك اللحاظ فيكون المناط في بقاء الموضوع هو الاتحاد بحسب نظر العرف وأن لم يجز بحسب العقل أو لم يساعده لسان الدليل النقلي وتظهر الثمرة في مواضع منها ما تقدم في لفظ العنب فيستصحب مثلًا ما يثبت بالدليل المعين إذا صار زبيباً لبقاء الموضوع واتحاد القضيتين عرفاً بخلاف ما لو كان المرجع لسان الدليل أوالعقل فيقتصر في الحكم على العنب ولا يتعدى.
نعم لو كان منشأ الشك في بقاء حكمه أمراً آخر غير ما يوجب تغيره جرى الاستصحاب على الوجوه الثلاثة ومنها ما تقدم في بعض